برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بدون سكر

«هم أحسن منا في كلشي»

أظن أن نسبة من أفراد مجتمعاتنا العربية، وبتفاوت، يشعرون بدرجات من الإحباط من النموذج الذي يعيشونه، ويعتقدون أنه بعيد عما ينبغي أن يكون عليه، مقارنة بما يشاهدونه في العالم المتقدم، إنهم يلاحظون التقدم العلمي والتقني، التقدم في الحقوق والأنظمة، التقدم في الاقتصاد وفي كل تفاصيل الحياة، وبذلك فإنهم يتمنون أن تكون مجتمعاتهم صورة كربونية من تلك المجتمعات، أو لا أقل من أن تقترب منها، إلى هنا لا تبدو هذه المشاعر مستغربة، إلا أن المستغرب هو أن تتحول تلك المجتمعات المتقدمة بكل أخلاقياتها، إلى نموذج مقدس، يحتذى به في كل شيء من باب «هم أحسن منا في كلشي» من غير تفريق بين شيء من أخلاقها وكأنها منزهة تماما من كل عيب.

أعتقد أن الشاب الذي لم تتبلور شخصيته ومبادئه بعد، بسبب حداثة سنه -التي تركت أدوات التربية المتنوعة في مجتمعه أداء هذا الدور كما ينبغي- هذا الشاب اليافع هو تماما صفحة بيضاء قابلة لكتابة منهاج حياة وطريقة تفكير مكتملين له في مجتمعه الغربي الجديد الذي ألجأته الظروف للمكث فيه بسبب الدراسة أو غيرها، منهاج يتضمن الأفكار والأخلاق، وربما الدين برمته، هذا لأن جمال العلم، وروعة النظام، وفتنة القانون، وسكرة الاقتصاد والوظيفة الكريمة قادرة على منح هذا الإنسان كامل الولاء والتعلق بهذا المجتمع، كما وجعله أكثر نقمة على مجتمعه، وعلى دينه، وعلى أخلاقه وعاداته وتقاليده.

وبذلك فإنه حينما يذهب إلى الغرب وبه نسبة من الإيجابيات والسلبيات الأخلاقية كباقي خلق الله، فإنه عوضا من أن يعود وقد عالج شيئا من السلب والاعوجاج في شخصيته، فإنه يعود وقد تخلى عن نسبة أكبر من إيجابياته، ليكون أشد سوءا مما كان عليه حين ذهابه، وبذلك فعوضا من أن يكون منبرا لنشر قيم النظام والقانون والأخلاق، فإنه يتحول لمعول هدم لكثير من الأخلاق الفاضلة، والمثل الرفيعة الموجودة في مجتمعه، هذا لأن المعايير الأخلاقية قد تغيرت في ذهنه، فأصبحت القيم والأخلاق الفاضلة هي في جزء منها، موارد تخلف ينبغي السعي في إنهائها من المجتمع.

جملة «هم أحسن منا في كلشي» هي -كما أراها- جملة غير مفيدة، هذا لأن كل مجتمع لديه إيجابيات وسلبيات، وهنا أقول: لا بأس في أن نعجب بالنظام ويبهرنا التقدم ونفتتن بالوظيفة والحياة الكريمة، ولكن حذارِ من التقليد الأعمى لكل شيء موجود في تلك المجتمعات، ذلك أن الموبقات الأخلاقية الموجودة لديهم كثيرة، وتكفي -كما أعتقد- لإرجاعنا سنوات ضوئية إلى الوراء، في حال عاد بها شبابنا إلى المجتمع وروّجوها فيه.

سراج أبو السعود

سراج علي أبو السعود , حاصل على الاجازة من جامعة الملك سعود في تخصص البحوث والعمليات (الأساليب الكمية)، مارس الكتابة الصحفية على مدى 20 عاماً في عدد من الصحف السعودية .

تعليق واحد

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق