برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
غدق

«حنا» العصبية الجاهلية

ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الأصوات الشعرية العنصرية البغيضة، لها ضجيج وعجيج وصراخ وعويل، تصف حالها حسب الأهواء والأهداف والمبتغيات، ترفع هذا، وتسقط ذاك، تفرق وتميز بين ذلك وذاك، أقوالها باهتة، وأبياتها واهنة، تحاول أن تحيي العظام الرميم، تحرث الرماد، وتحاول أن توقظ النائم «حنا غزينا، حنا نهبنا، حنا قتلنا، حنا هجرنا، تاريخنا غير، حنا، حنا، حنا» وكثيرا من الـ«حنا» الكاذبة الباهتة، فلا هم غزوا، ولا هم قتلوا.

ينامون على أسرّة مخملية، ويتوسدون مخدات محشوة ريش نعام، ترعاهم وتسهر على راحتهم قيادة لا مثيل لها، حفظت الوطن من الحد للحد، ومن الماء للماء، ووفرت لهم كريم العيش، وسبل الراحة، لكن العنصرية البغيضة الساكنة في نفوس هؤلاء المريضة والمتجذرة فيهم، والصحة والعافية والأمن والاستقرار ورغد العيش، حولت هؤلاء إلى مجرد أبواق للصياح على الماضي «الأقشر» الدفين، كونهم يعتقدون أنهم الأجمل والأرقى والأحسن والأفهم والأعلى رتبة وميزة، وغيرهم الأدنى والأقل والأردأ.

إن المتابع للغث والسمين الذي يطرحه هؤلاء ويتقيأونه، يعرف يقينا أن هؤلاء لا يملكون أدنى معرفة ثقافية ولا علمية ولا تاريخية، سوى المنطق الأعوج، واللسان البذيء، إن ديننا الإسلامي الحنيف حارب العنصرية والطبقية، ورفضها ولفظها ودعا إلى تجنبها، بشتى أشكالها وأنواعها، وإن التفاضل بين الناس لا يكون إلا بالتقوى والعمل الصالح والتعامل الراقي وخدمة الناس.

إننا لو استعرضنا أعمال هؤلاء لوجدنا الضحالة الفكرية عندهم كبيرة ومتشعبة وضاربة جذورها في أرواحهم البائسة، ليسوا نموذجا أسمى، إن مواجهة هؤلاء العابثين في اللحمة الوطنية، والهيكل الاجتماعي، فالدولة سنت مجموعة من القوانين والأنظمة للجم كل من تسول له نفسه العبث في وحدة المجتمع، ومحاولة تصنيفه وفق درجات وخانات وطبقات لا أساس لها من الحقيقة والصحة، بل جرمت كل من يقوم بهذا العمل المنافي للعقل الحكيم، والفطرة السوية، واعتبرته خوضا عبثيّا وجريمة لا يجب أن تكون مطلقا.

إننا نعيش في وطن واحد، يعمنا الخير والأمن والأمان والسلام والإخاء والوحدة النادرة والاتحاد الفريد، والتصاهر والتناسب، لهذا يجب أن نخرس جميعا كل الألسنة المتخلفة التي تحاول نشر الكراهية والحسد والتباغض والحزازات بين المجتمع، واجترار الماضي الدفين، بعيدا عن الدين والأخلاق والوطنية، وبعيدا حتى عن العادة والعرف، سوى العصبية الجاهلية المنتنة، والبحث عن شهرة زائفة، وعلينا لكي نرتقي، ويعلو كعبنا، ونسابق الأمم المتحضرة المتقدمة، علما واختراعا، وابتكارا وثقافة، وعملا وإنتاجا، أن نضيق على هؤلاء الدائرة، ونشد عليهم الخناق، حتى يرتاح المجتمع منهم ويهنأ، وتنتهي سيئاتهم المنتنة، وتخمد موبقاتهم الآثمة، وتخرس ألسنتهم الكاذبة، وأصواتهم الواهنة أبد الدهر.

رمضان العنزي

موظف قطاع خاص، كاتب رأي بصحيفة الجزيرة، روائي، لي من الإصدارات ثلاثة: ١) حي المطار القديم ٢) العيش بين مخرزين ٣) وطنيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق