برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
رشحة من مداد

بلادٌ بلا أجانب

ليسَ من النّادر أن نسمعَ في الإعلامِ هذه الأيام، وعلى لسانِ بعض المسؤولين أو المشهورين في بلدانٍ كثيرةٍ، دعواتٍ وتصريحاتٍ تدعو إلى عدم قبول الأجانب في المجتمعِ، خاصةً بعد التغيرات الأخيرة في العالمِ، والتراجع الاقتصاديّ بسببِ وباء كورونا. وبعضُ هذه التصريحات تأتي من قائليها أحيانا لاستقطابِ الجمهورِ، والظهور بمظهر المواطن الغيور والمهتمّ بالشأن المحلّي، ووصل الأمر إلى أن تسمع ذلك من بعضِ السياسيين الكبار كما سمعنا من بعض البرلمانيين الأوروبيين، وسارت هذه النعرةُ ضدّ الأجانب في مواقع التواصل الاجتماعي لدى العرب خاصة، ولدى الخليجيين. وصار من السّهل على كل من يرى مشكلةً ما اقتصاديةً أو اجتماعيةً أن يختصرَ سببها في وجودِ الأجانب بيننا.

ولكن هل هذه الصّورة المتخيّلة عن بلدٍ يخلو من الأجانب، التي يقدّمها بعض المسؤولين أحيانا ممكنةٌ؟ الحقيقةُ أنها غيرُ ممكنةٍ أبدا، ولا تتحقّق! ولم تتحقق إلا في العالمِ القديم حين كان السفرُ صعبا، ولم تكن المدنيّةُ البشريةُ قد وصلت إلى ما نحن فيه اليوم من تقدمٍ مادّيٍّ. ليس من الممكن لدولةٍ واحدةٍ اليوم أن تغلق حدودَها على مواطنيها فقط، ما دامت تريد أن تتقدم في التطوّر المادّيّ والحضاريّ.

بعد الحرب العالمية الثانية احتاجت أوروبا إلى عمالٍ من تركيا والهندِ ودولٍ أخرى لإعادة بناء ما دمّرته تلك الحروب الغاشمة، فابتدأ عهدٌ جديدٌ، وحين مدّت أمريكا خطوط سكِكِها الحديدية وبنت مواصلاتِها عبر أراضيها الشّاسعةِ استعانت بعشراتِ الآلاف من العماّل الصينيين وغيرهم، بل إن فرنسا وبريطانيا استعانتا بجنودٍ من الهندِ، ومن أفريقيا، للحرب، نيابة عنهما في مواقع عديدةٍ من القتال ضد الألمان وضدّ الثوراتِ الوطنيةِ في البلدان المستعمرة، وكثيرٌ من هؤلاء استوطنوا وحصلوا على جنسيات هذه الدّول.

واليوم يعتمدُ اقتصاد أوروبا وأمريكا كثيرا على العقولِ المهاجرةِ من الدّول التي يُولد فيها أذكياء نابغون، ولا يجدون فيها فرصا للعمل والإبداع، فيهاجرون إلى أمريكا لبدءِ حياةٍ جديدةٍ، وتسجيل مكتشفاتٍ ومخترعاتٍ، وتحقيق إنجازاتٍ تكتب باسم الولايات المتحدة الأمريكية وتُحرم منها بلدانُهم المعوزة، تردّدَ كثيرا خلال الأيام الصعبة لهذه الجائحةِ العالميةِ اسمُ الدكتور منصف السلاوي المسؤول عن برنامج مكافحة كورونا في أمريكا وهو مغربي، والدكتور أوغور شاهين مخترع لقاح كورونا في ألمانيا وهو تركيّ، وغيرهما كثير.

إن استقطابَ العقولِ والطاقاتِ من خارج البلاد هو أحدُ أسرار نجاحِ أمريكا، التي لم يفهمها كثيرٌ من الدول والمجتمعات بسبب العنصرية أحيانا، أو سوء التخطيط، أو سطحية الإدراك العلمي.

لقد وفّر انتقال النّاس للعيش في بلادٍ أخرى معاني جميلةً من الإنسانيّة، إذ حمى كثيرا من اللّاجئين الوافدين على أوروبا وأمريكا، وخاصةً من العرب والمسلمين بعد المآسي الحاصلة في عالمينا العربيّ والإسلامي، فكان هذا طوقَ نجاةٍ لهم، بعد فضل الله تعالى، ولقد أمدّ هذا الحضور كثيرا من النّجاحات الاقتصاديةِ بمادةٍ جديدةٍ، ودعمَ اقتصادَ تلك البلدان، فقد عملوا فيها وأخلصوا لها، وعاشوا فيها، وماتَ بعضهم فيها وحملوا جنسياتِها.

وهذه الدّول بذكائِها أفسحت لهم المجالَ لخدمتها، ولم تحرمْهم من ذلك. وكانت هجرةُ الأجانب وانتقالهم خيرا على أهلِهم وذويهم في بلدانِهم الأصلية، واستفادت دولٌ كثيرةٌ من ذلك مثل لبنان وبعض الدول المغاربيةِ العربيةِ، من الدّعم الماديّ الذي يوفّره هؤلاء، مثلما استفاد اليمنُ قديما من الشيءِ نفسِه، أيام هجرة الحضارمِ إلى شواطئِ أفريقيا الشرقيةِ، وإلى جزرِ جنوبِ شرقِ آسيا، في القرونِ الثلاثةِ الأخيرة، مع فوائد أخرى كالتعليم وانتقال الثقافة ونحو ذلك مما يطول حصره.

إن التعصبَ وانعدام العقلانية لم يبنيا وطنا ناجحا يوما مّا، ولم يقدما حضارةً، بل لقد هدم التعصّبُ حضاراتٍ وأزال عوالمَ كانت جميلةً، وأمثلةُ ذلك كثيرةٌ جدا، فسقوطُ الدولةِ الأمويةِ سببُه التعصّبُ، وانهيار الدولة العباسية سببُه التعصب، وسقوطُ دولة المسلمين في الأندلس سببُه التعصّب، وتدميرُ ألمانيا في القرن الماضي سببه التعصّب، وهذه كلها أمثلةٌ صارخةٌ لكل معتبرٍ بأن التعصّبَ تدميرٌ للذات قبل تدمير الآخر، ولنعلمْ أن الذي يقدم الحضارة، ويحقّق التقدم هو الانفتاحُ على الآخر، والاستفادة من الأجانب وانتقاءُ الأفضل، ووضعُ أنظمةٍ للاستفادة من كل الطّاقات والعقول، ووضعُ ضماناتٍ وخطط للاستفادة من الثقافات الأخرى دون فقد هويتنا الثقافيةِ والأخلاقيةِ والدينية وتدميرها.

تحقيق ذلك مطلبٌ صعبٌ، لكنه ممكنٌ، وليس مستحيلا، وقد نجحت فيه أممٌ ودولٌ منها اليابان، فتأمّلوا فيها، فتجربتهُا تستحقّ التأمّل والنّظر.

أحمد الدبيان

أحمد بن محمدِ الدبيان، مدير عام المركز الثقافي الإسلامي في لندن، رئيس تحرير مجلة Islamic Quarterly الصادرة باللغة الإنجليزية، عضو مجلس الخبراء الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في منظمة الإيسيسكو. دكتوراه من جامعة بوخوم بألمانيا في فقه اللغة والدراسات الإسلامية والدراسات الإنجليزية. أكاديمي ومؤلف وكاتب صحفي، له عدد من الدراسات اللغوية حول اللغة العربية وحركة الترجمة بين الإغريقية والعربية واللغويات التقابلية، وعدد من البحوث العلمية والفكرية والإسلامية حول تاريخ الإسلام والعلاقة مع الغرب، مهتم بالخطاب الاسلامي وقضايا الحوار بين أتباع الأديان والتعايش وتطوير المؤسسات الإسلامية في مجتمع الجاليات والأقليات في الغرب، كما قدم عدداً من المحاضرات والأوراق العلمية في الجامعات والمراكز والمؤتمرات الدولية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق