برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بوليفارد

تجربتي مع كورونا

كأن السنة الميلادية 2020، ترفض أن تغادر دون أن تترك بصمتها في ذاكرتي، ففي صباح يوم من أيام ديسمبر الباردة وأنا أستعد لغفوة قصيرة بُعيد صلاة الفجر استعدادا للدوام، وصلتني الرسالة التالية: وزارة الصحة تبلغك بأن نتيجة فحص كورونا التي أجريت لك إيجابية «مصاب» وسيقوم الفريق الطبي بالتواصل معك.

تسمرت قليلا غير مصدق، وكأن المرض والموت لا يأتينا مع يقيننا بغير ذلك، خرجت من غرفتي فورا وعزلت نفسي تماما عن أفراد أسرتي، وها أنا أكتب بعد أن أكملت اليوم العاشر ولله الحمد.

عشرة أيام قضيتها معزولا تماما، باستثناء الهاتف الجوال، والحديث من وراء حجاب، لم أر أحدا، وتولدت لدي العديد من الانطباعات، فتساءلت: ماذا لو أصبت بالفايروس في الفترات الأولى الحرجة من انتشار المرض في البلاد؟ مؤكد ستكون ردة الفعل أقسى مما هي عليه الآن، كانت كورونا مرعبة في تلك الأيام، ولكن مع إجراءات بلادنا الراقية والمتميزة جعلت كل شيء سهلا وميسرا، ومع انتشار الوعي الصحي أصبح المواطن البسيط طبيب نفسه.

وراهنت وزارة الصحة في بلادنا على المواطن السعودي في هذه المرحلة، وفعلا كسبت الرهان، ومن دروس كورونا التي اكتسبتها وقت الحجر الصحي هي الاهتمام بنعمة الحياة بكل تفاصيلها، فالمسجد وجوده نعمة في حياتنا، لا ندركها حتى نفقدها، فهو الرابط الوثيق بيننا وبين جيراننا وسكان حينا، كما أن قُبلة أطفالك واحتضان من تحب نعمة لا تشعر بها إلا إذا فقدتها وافتقدتها.

ويبقى الإيمان بالله والتنشئة الدينية سياجا قويا ضد الضعف والحور، فالمرض يمكن تحمله، والعزلة يمكن توظيفها لصالحك، وتولدت لدي قناعات راسخة أن من لا يملك هوايةً خاصة فسيكون في عزلة حتى لو كان في محيط من البشر.

في عزلتي الإجبارية قرأت كثيرا وكتبت كثيرا وتأملت بلا حدود، واستشعرت نِعم الخالق وفضله الكبير علي، ربما نحتاج إلى مثل هذه الظروف –أحيانا- لندرك ما نتمتع به من نعم لا تعد ولا تحصى، وكم من قائلٍ «شكرا كورونا» التي نسأل الله أن يحمينا وإياكم من بأسها، ولكنها –للأمانة- منحتنا دروسا كثيرة لا حصر لها، وأولها أنك تحتاج أحيانا أن تتوقف إجباريا لتتأمل الطريق الذي تسلكه، وقديما قالوا أفضل طريقة لمعرفة نهاية الطريق الذي تسير فيه هي سؤال العائدين منه.

منيف الضوي

منيف خضير الضوي، ماجستير إدارة تربوية، حصل على جائزة التعليم للتميز، عضو في عدد من المؤسسات منها أكاديمية الحوار الوطني، جمعية جستن التربوية، اتحاد المدربين العرب. له «5» إصدارات، وكتب الرأي في عدد من الصحف كما مارس التحرير الصحفي في صحيفة الجزيرة السعودية، وعمل مراسلاً في إذاعة الرياض، كما يمتلك خبرات واسعة في مجال الإعداد والتعليق الصوتي.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق