برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

البيض مع الوافل

أذكر في أيامي الأولى حين بدأت وظيفتي، لاحظت أن الكثير من الزملاء أثناء الفطور يضعون البيض فوق الوافل، ويتناولون هذا الخليط العجيب، ولم تكن صرعات الأطباق التي تدمج الحلويات بالموالح شائعة آنذاك، وبالتالي كان المنظر غريبا جدا وغير مستساغ بالنسبة لي.

لكن الاعتياد على المنظر دفعني للتجربة ليقيني بأن الطعم مميز، أو أن ثمة حكمة مخفية تدفع كل هؤلاء للقيام بهذا الخلط الغريب، واليوم وبعد نحو خمسة عشر عاما في الشركة، لا أستطيع تناول الوافل بدون البيض فوقه.

مؤخرا، أدركت أن هذا التقليد مأخوذ من العسكرية الأمريكية، حيث كان الجنود يتناولون إفطارهم في صحن واحد وفي وقت قصير، وبالتالي كانوا يضطرون للقيام بهذا التجميع غير المتجانس، وأن الأمر لا له علاقة لا بالطعم ولا البرستيج، هو محض تقليد كانت له حكمة وظيفية مرتبطة بضيق الوقت وترشيد الأواني المستخدمة للإفطار. وعلى الرغم من توفر الوقت لدينا الآن ووفرة الصحون، إلا أن تجميع الوافل مع البيض استمر بحكم العادة.

هذا المثال يدفعنا كبشر، للتواضع قليلا والاعتراف بأننا لسنا كائنات منطقية على الدوام، كما نحاول أن ندعي، فثمة رواسب من تجاربنا السالفة تسيّر سلوكنا وقراراتنا أحيانا، وهذا يتطلب منا الوعي المستمر بهذا النقص في تفكيرنا المنطقي.

البيض مع الوافل يظهر في أمثلة أكبر من مجرد هذا الإفطار، ففي بيئة الأعمال، قد تصطدم بضوابط وبروتوكولات معمول بها، ومتأصلة إلى حدٍ يجعل التساؤل حول الهدف منها غير وارد، بل وحتى لو تسببت هذه البروتوكولات في تعطيل العمل أو تقليل كفاءة الإنتاج، فإنها قد لا تلغى أو تعدّل، وفي بعض الحالات، يضطر السّاعون إلى التغيير، للجوء إلى استثناءات بشكل مستمر للالتفاف حول تلك البروتوكولات المعيقة، ولكنها تبقى دون تغيير، وكأن هناك اعتقادا بما أنها وجدت، فإن ثمة حكمة من وجودها.

وحتى في فضاءاتنا الاجتماعية التي تكتظ بأعراف وتقاليد تمتلك سلطة على سلوكياتنا، وتخلق الكثير من العوائق أحيانا وخصوصا أمام الجيل الناشئ المتطلع إلى التغيير، لكنه يصطدم بسلطة تلك الأعراف والتقاليد التي ورثها عن أسلافه المنافحين عنها دون مبرر عقلاني يبيّن وظيفة وأهمية تلك الأعراف، ولذلك أتساءل كثيرا: هل تعلقنا بهذه الأعراف مشابه بتعلقي وزملائي بالبيض مع الوافل، رغم انتفاء الشروط الموضوعية التي جعلت ثمة حاجة لذلك الخلط؟

هذا السؤال ليس من النوع الذي يحتمل الإجابة بنعم أو لا، بل يتطلب جهدا مستمرا في البحث عن معنى ووظيفة ما نسميه ضرورة، وما نسميه عرفا وتقليدا، بل وما نسميه قيمة وخلقا، وعلينا الحذر من النتيجة، لأننا قد نفاجأ بأن بعض ما كنا نعتبره جزءا منا قد يتضح أن أهميته لا تتعدى خلط الوافل مع البيض.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق