برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
رأي أعمق

بين الحكمة ومنتحلها

بعد أن عاش حياته بطولها وعرضها وجميع أبعادها التربيعية والتكعيبية، وبعد أن وهنت قواه عن مجاراة نفسه ورغباتها، بعدما شبع وتشبع من كل ما رغب فيه طوال سني الشباب والكهولة، قرر أخيرا أن يستسلم لواقعه الجديد، واختار فوق ذلك أن يجاريه بما يستطيع مما قد تسعفه به حكمة السنين من حصاد زمن غيره.

تلفع بثوب من التوقر المزيف، وصار يتكلم كما يتكلم الحكماء ويرسل كما يرسلون وينقل كل ما تظهر من حروفه نبرة تجربة شكلتها الأيام، وكل ما وصل إلى يده وبصره من تلك الأقوال التي يتداولها الناس عن جهالة، بل قد يكونون هم مصادرها وأكبر ناشريها، فهم بحكم السن أكبر من أجيال قد يكونون من ربوها، فصاروا لهم مريدين بشكل ما، وتشكلت لأقوالهم أبواق تتناقلها وترددها حتى يصير لها صدى، صحيحها ومكذوبها.

لم يعلموا أنه وجد نفسه في هذا الحال مرغما بعد أن تخلى عنه عنفوانه وذبل ما تبقى من شبابه، وأنه من فرط جهالته يحسب نفسه يقوم على التكفير عن كل انعدام القيمة الذي كان يقدمه لنفسه وأهله ومجتمعه بعمل دؤوب، ولا تستطيع أي قوة أن تقنعه بالعدول عما توصلت إليه قناعاته بل سيعاند أكثر وينمو لديه كبرياء عتيق يقنعه أن الناصح له بالخير يحاول إغواءه وتحييده عن الصواب الذي هو في الحقيقة يقترفه.

كان صمت أولئك القوم وقارا وهيبة تبعث في نفوس النشء لهم احتراما كبيرا، صمتهم كذلك هو أكثر ما قاموا به صوابية، وهو الدليل الأقوى على أن الصمت حكمة في أغلب الظروف، والصمت أيضا هو ما يفرق بينه أحدهم وبين الحكيم الحقيقي الذي اكتسب من تجربته حكمته واتعظ من تجربة غيره، ونمت معه مبادئه ولم يتخل عنها ولم تتخلَّ عنه هي في المقابل، لطول العشرة والتمرس والتطبيق والتحقق.

ريان قرنبيش

ريان أحمد قرنبيش، متخصص في الأدب الإنجليزي، كاتب رأي في عدد من الصحف، مهتم في الشأن الاقتصادي والاجتماعي، له مؤلف تحت النشر.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق