برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
آراء وأفكار

حديث الروح

عدنا والعود أحمد،،

ستتفق معي إذا أخبرتك أن بعض الأيام تتراكم فيها الأحداث وتتشابه فيها تفاصيل الأشياء، حتى أننا لا نصدق عندما تمضي علينا لنعلن الاستسلام ونرفع الراية البيضاء.

هو شعور مدوٍ يغتالك وأنت طريح الفراش تأكل منك الآلام من كل المفاصل، ويدغدغك الخوف بين اللحظتين، هو شعور باقتراب النهاية وبحلول امتداد للبداية الأولى، كل الأجزاء فيك محطمة وعقلك يجاهد لتجاوز تعقل حيثيات الفشل الذي تشعر به.

رغم أننا نقتنع على مدى سنين بوجود بعض الظواهر الحتمية وننادي بالموت كخليفة للحياة الدنيا، غير أنه كلما داهمتنا لحظات الضعف والمرض تتغير نظرتنا للموت على وجه الخصوص، ونتحول من تلك الرؤية المحايدة غالبا إلى رؤية هذا الاحتمال بشكل شخصي وجدي أكثر.

ربما ينتابك إحساس بالجفاء وسط جو المستشفى الذي يصقع برائحة المخدر والأدوية والمعقمات، وإذا كنت ممن عاشوا هذه التجربة لا شك وأنت مستلقي في المستشفى شعرت بأن للحزن رائحة وللدمع رائحة وللموت رائحة، لا تشمها في كل الأماكن.

في الحقيقة توجد بعض الأحداث التي تقودنا لأقدار لم تكن أبدا في الحسبان، لتجعلنا نعيد التفكير فيما كنا عليه، وأحيانا تنمي وعينا درجات لتبين لنا الخطأ من الصواب، والزيف من الحقيقة، والمستحيل من الممكن، وفي رواية أخرى تهجم عليك كل الأسئلة الوجودية التي رفضت مواجهتها سابقا لتجد نفسك قد تركت الأرض تسبح بدونك والأكوان كذلك، وأن ما ظننت أنه الحقيقة الحتمية أضحى مجرد معتقد خلفه الموروث ليطيح بك في فخ المعاناة.

مهما درست وأكلت من الكتب تجد أن بعض المعاني لا يمكنها أن تصلك إلا إذا عشت ألم الفطام ومعاناته، وموضوع كالموت غالبا ما نغفله إلى حين تحرشه بنا في اللحظات التي يكون فيها الواحد منا أضعف من ضعيف، ساعتها تفكر في الروح الخالدة التي ستصعد للسماء وفي الجسد المهترئ الذي سيطمر تحت الأرض.

هو حوار قطبي ومتشعب يجتاحنا في مثل هذه اللحظات كالزلزال، ليجعلنا نتذكر حقيقة الموت الحتمية وحقيقة أن أصلنا روح من الله، وأن هذه الروح سرمدية، أما الطين فهو زائل ومتحلل.

حقيقة متعب الوصول إليها لكنها توفر علينا قرنا من المعاناة وتبث فينا الأمل والسلام، وتجعلنا نبتعد عن كل القناعات المسيطرة التي تزرع فينا الرهاب والخوف غير العقلاني مما هو موثوق ومؤكد.

مشعل أبا الودع

مشعل أبا الودع الحربي، بكالوريوس إعلام، كاتب في عدد من الصحف العربية والخليجية، صدر له كتاب «مقالات أبا الودع في الألفية».

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق