برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فلسفة

الاعتزال أو السقوط في الثرثرة

الإنسان لا ينشأ في عزلة، بل في غضون كيانٍ اجتماعي يبدأ من الأسرة وينتهي بالدولة، ولو أن طفلا رضيعا ترك منذ ولادته لما نجا، هكذا فالإنسان يبدأ كائنا اجتماعيا بالضرورة، والاعتزال أو العزلة تأتي لاحقا بوصفها اختيارا مقصودا لكائن راشد، أما الوحدة فتأتي لاحقا أيضا ولكنها في العادة غير مقصودة، إذ قد تكون بسبب النبذ أو عدم وجود أقارب أو أصدقاء أو لأسباب نفسية قاهرة.

يقرر الفلاسفة الوجوديون، مثل هايدجر وماكس شيلر وسارتر، أن الإنسان موجود في العالَم، وينطلقون من هذه الفكرة في تأسيس وصفٍ فينومينولوجي لعلاقات الإنسان بالآخرين وبالعالم من حوله، وفكرة «الوجود – في – العالم» جنبتهم الوقوعَ في المشكلات الأنطولوجية التي نجمت عن الثنائية الشهيرة «ذات / موضوع» لقد تصور ديكارت أن الإنسان يعي نفسه أولا ويدرك استقلالها عن العالَم، وأن ذاته موجودة حتى لو شككنا في وجود كل شيء آخر، هذه الذات تسعى بعدئذ إلى مد جسور التواصل مع العالَم -أي الموضوع- هكذا يبرز العالم بوصفه موضوعا لتفكيرِ ذاتٍ واعية، لكن فكرة «الوجود – في – العالم» بالمقابل، تقترح أن الذات لا تبدأ كائنا مفكرا بل كائنا فاعلا ومريدا، والعالَم لا يظهر كموضوع للتفكير بل كميدان تمارس فيه الذاتُ أفعالها وتحقق إرادتها، فلا يمكن إذن تصور ذات بلا عالم، ولا عالم بلا ذات.

خاصية «الوجود – في – العالم» تكشف عن خاصية أخرى لا تقل أهمية يسميها هايدجر «الوجود – مع – الآخرين» فالذات كما قلنا تحقق إرادتها في العالم، ولكنها تلاحظ أن هناك ذواتا أخرى مثلها تفعل الشيء نفسه، الإنسان كائن مريد وفاعل قبل أن يكون كائنا مفكرا كما ظن ديكارت، وكل فعل يمارسه الإنسان يهدف من ورائه إلى تحقيق ذاته، من هنا فإن علاقة الإنسان بالأشياء المحيطة به ليست علاقة معرفية في الأساس بل نفعية، فالقلم والمنزل والسيارة والشجر والحجر وكل شيء هو أداة لتحقيق غاية نفعية للإنسان، وعندما يتعامل الإنسان مع القلم فلا يفعل ذلك بوصفه عالِما يتفكر فيه بل فاعلا يستعمله، من هنا لا نراه يفكر في طبيعة القلم وماهيته بل في الوظيفة التي يؤديها، لاحقا ربما يفكر في القلم كقلم وليس كمجرد أداة، لكن ما يهمنا الآن هو البعد النفعي لوجود الإنسان في العالم.

كل إنسان آخر يستعمل الأشياء أيضا في تحقيق ذاته، ولربما أنه سيقوم باستعمال الناس الآخرين كأدوات، وهذا ينتج علاقة متوترة مع الآخر، فاتخاذ الإنسان أداة أو وسيلة عمل غير أخلاقي -على الأقل حسب نظرية الواجب عند إيمانويل كانط- هايدجر لم يُعنَ كثيرا بموقف الآخر، واكتفى بوصف الأنا وهمومها.

أعتقد أن علاقة الصراع حاضرة بقوة، إضافة لعلاقة التعاون، في إطار العلاقات الاجتماعية، وكل فرد يحاول ألا يكون أداة لغيره ولا أن يخضع لسيطرته، من هنا فالمرء في كل علاقاته سواء كانت علاقات قرابة أم صداقة أم زمالة أم نحو ذلك، يحاول أن يُثبِت نفسه، أي أن يكون المسيطر على العلاقة لا المسيطَر عليه، حتى في أكثر العلاقات حميمية نجد أن هذا التوتر قائم، فعلاقة الحب تنطوي على توتر بين المحب والمحبوب ولعل أشعار وأغاني العشاق كانت نتيجة لذلك التوتر، وفي علاقة الأمومة تستسلم الأم، بالعادة، لرغبات طفلها وتقدمه على نفسها، أي تجعل نفسها أداة للآخر –طفلها- وهو ما لم ينتبه له هايدجر، ولكن ليفيناس لاحقا عمل على هذا الجانب: أي، فينومينولوجيا الآخر، وربما تكون علاقة الصداقة هي العلاقة الوحيدة التي تنبني على تكافؤ الطرفين، وأي اضطراب في العلاقة يحولها من علاقة صداقة إلى علاقة أخرى: علاقة تابع بمتبوع مثلا، وهو ضربٌ من الصداقة المزيفة، كصداقة المصالح المتبادلة.

هناك علاقة أخرى أكثر تعقيدا، وهي علاقة المرء بالثقافة ككل، وبالمجتمع وعاداته وقوانينه، ويسميها هايدجر بـ«الهُمْ» فمن «هم»؟ هم ليسوا أفرادا محددين، بل تكتلا ضخما أصما بلا ملامح يملي قواعده بشكل روتيني على الأفراد، وبما أن الإنسان يحرص على المحافظة على وجوده الاجتماعي -لكيلا يكون منبوذا ووحيدا- فإنه يطيع الـ«هُم» ومن مظاهر الطاعة التسليم بالمعتقدات الاجتماعية وإلغاء الفردية، وبما أن اللغة أهم أدوات الإنسان في التعبير عن ذاته وفرديته، فإن اللغة في إطار الـ«هُم» لا تعود تعبر عن ذاته بل عن ذلك التكتل الأصم، من هنا فكل كلام ينطق به المرء في هذا الإطار يصبح ثرثرة، لأنه لا يعبر عن حقيقته المرء بل عما سلم به مرغما.

كان أحد الشبان المقلدين والمتحمسين لأساتذتهم يناقش سقراط، ولكن ليس بكلامه بل بكلام شيوخه، فقال له سقراط «يا بني، تكلم حتى أراك» أي عبر عن نفسك لكي يكون لك وجود متفرد، ولا تثرثر بما قال الآخرون.

عندما يتكلم المرء بنفسه عن نفسه ويتحرر من سطوة الـ«هُم» فإنه يميل للعزلة، أي أن يعتزل آراء الآخرين قدر الإمكان، والعزلة هنا ليست فقط مكانية بل فكرية وروحية، وعندما قال الحسن البصري إن واصل بن عطاء اعتزلنا في ركن المسجد، فإنه لم يكن يشير فقط إلى اعتزاله المكاني بل الفكري، ومن هنا أصبح «واصل» مؤسسَ الفكر المعتزلي.

العزلة ضرورية لكل كائن حر، وهذا لا يعني القطيعة مع المجتمع بل التحرر من الطاعة العمياء والثرثرة ومن ثم العودة إلى الذات، فالذات مصدر الإبداع ومنهل كل جديد.

شايع الوقيان

كاتب سعودي، عضو مؤسس لحلقة الرياض الفلسفية. له عدد من المؤلفات منها: الفلسفة بين الفن والأيديولوجيا، وقراءات في الخطاب الفلسفي، والوجود والوعي: استئناف الفينومينولوجيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق