برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
إيقاع

يا ثقيل الدم.. عدّل مزاجك

لو قيل لك إن فلانا من الناس، هو من فئة «ثقيلي الدم» فما هي ردة فعلك السريعة والعفوية؟ أكاد أجزم أنك ستنكمش و«تحوقل» وتدعو الله ألا يجعل لك طريقا إليه وإلى أمثاله.

والواقع أن أحدنا لا يدري لماذا يصرّ عدد من الناس على أن يظل ثقيل دم ونكدي، فالسنوات تنسحب من أمام أولئك بطولها وعرضها، وهم على طبيعتهم تلك، لا يكاد أحدهم يرضى بغير ذلك السلوك بديلا.

نعم، هناك من استطاع أن يطوّر من مهاراته الذاتية، وأن يرفع من جمال أسلوب تعامله، من خلال الارتقاء في سلالم التعليم، أو من عبر الاحتكاك بنوعيات من البشر من ذوي السلوكيات الراقية فاستفاد منهم، أو من خلال موقف معين أو عدة مواقف حياتية، كانت له عظة ودرسا، فآمنوا بعدها أن «ثقالة الدم والنكد» لا تؤكل عيشا، ولا تعطي جاها ولا مالا.

لكن الصحيح أيضا أن ثمة فئة أخرى ما زالت «مكانك سر» فلم تفلح معهم كل الظروف ولا النصائح ولا نظرات السخط والاستهجان التي تُقابل بها طباعهم وأخلاقياتهم الرديئة تلك، وكأنهم «خُشبٌ مُسنَّدة» وليسوا لحما ودما، يتأثر وينفعل، وبالتالي يراجع حساباته، وما أجمل قول الشاعر:

أنت يا هذا ثقيل وثقيل وثقيل *** أنت في الصورة إنسان وفي الواقع فيل

ونستدرك فنقول: إن بعض الناس البدناء نجدهم أخف دما من بعض النحفاء، ذلك لأن المسألة ليست مسألة جسم، وإنما هي مسألة طباع، والحياة والواقع يؤكدان ذلك تماما.

ويظل من سوء الطالع بالنسبة لك عندما يقابلك واحد من أولئك الثقلاء، عند مراجعتك لمرفق رسمي أو لمؤسسة أهلية، عندها لا بد وأن تتجرع من كأسه الثقيلة، وأن ترتشف من معينه النكدي، ما شاء الله لك أن ترتشف، وكان الله في عونك.

ويبقى المطلوب من القياديين في المرافق والمؤسسات -وهذا اقتراح- أن يتلمسوا أمثال هذا الصنف من الموظفين، ثم يجعلونهم ينخرطون في دورات تخصصية في فن التعامل مع الجمهور، على أن تكون دورات إلزامية، لعدة اعتبارات، أولها أن أحدث بحوث تنمية الموارد البشرية، تؤكد على أهمية الابتسامة –نعم الابتسامة– بحيث يتوجب –طبقا للدراسة– أن يكون الموظف طلق الوجه، كريم المحيا، وذا ابتسامة أمام كل مراجع، لأن هذه المنهجية الإدارية في فن التعامل مع «المترددين/ المراجعين» صارت واحدة من قنوات الجذب، يمكن من خلالها استقطاب أكبر حزمة من المراجعين، خاصة في المؤسسات التجارية ذات الطابع التنافسي، فما فائدة أن أكون صاحب شركة أو مؤسسة أو مديرا لقطاع عام أو تنافسي –بشكل خاص– ويتوفر بها كل الأسباب المادية للنجاح، ثم يأتي عدد من الموظفين من فئة ثقيلي الدم، لينسفوا كل أو بعض تلك الجهود في غمضة عين، من خلال تعاملاتهم الجافة مع المراجعين.

وتظل الكارثة –في حقيقة الأمر- ألا يحرك الهرم الإداري ساكنا، بحيث يعطي الفرصة –من حيث يدري ولا يدري– لأولئك، لكي يسرحوا ويمرحوا، وبالتالي يسجل الواحد منهم واجهة غير مشرقة للقطاع الذي يعمل به، بل وخسارة فادحة له أيضا، ذاك هو الاعتبار الأول.

أما الاعتبار الثاني، فإن الموظف «ثقيل الدم» فوق أنه خسارة على القطاع الذي يعمل فيه، فإنه خسارة على نفسه كذلك، لأنه مع الأيام يفقد إمكانية إقامة علاقة صداقة مع هذا المراجع أو ذاك، صحيح أنه يأخذ راتبا في وظيفته، ولكنه كذلك أمام فرصة لأن يتعرف على الناس، فمن خلال كلمة طيبة، أو موقف إنساني جميل، ربما يصبح هذا أو ذاك من المراجعين صديقا لك، والمعروف لا يضيع بين الله والناس.

والاعتبار الثالث أن الوجاهة الوظيفية والمركز لن يظلا معك أبد الدهر، ولله در الشاعر الذي قال:

إن المناصب لا تدوم مع أحد ** إن كنت لا تدري فأين الأول

ويقول المثل كذلك «لو دامت لغيرك ما اتصلت إليك» ولربما كسب المرء دعوة طيبة مستجابة بظهر الغيب من مراجع، عندما يذكرك في مجالسه قائلا «الله يذكره بالخير»

ثم أنه من الناحية الصحية فإن الناس الذين يتحلون بالابتسامة هم أكثر نجاة –بإرادة الله– من أمراض القلب والسكري والحموضة والقولون العصبي والجلطة الدماغية، كما أن الإنسان «النكدي» هو أكثر الناس ضجرا من زملائه وجيرانه وزوجته وأولاده، وربما حتى من نفسه ومن الحياة برمتها، لأنه على الدوام يعيش في مناخات كئيبة، وأجواء مكفهرة، وعالم رمادي، في حين أنه لو تعامل مع الحياة بمنطقية، وكان طبيعيا لأحب نفسه وأهله، وعمله، ومراجعيه، ولعاش معتدل المزاج.

بخيت الزهراني

بخيت طالع الزهراني، بكالوريوس الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبدالعزيز، كاتب وصحفي، سكرتير تحرير صحيفة «البلاد» سابقا، حصل على جائزة وزارة الحج السعودية عن أفضل تقرير صحفي إنساني لعام 2013، حصل على جائزة منطقة الباحة لأفضل قاص بالمنطقة لعام 2014 عن مجموعته القصصية «حفلة الجن» له سبعة من الكتب المنشورة، وأخرى قيد النشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق