برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قلم يهتف

بين غابة «هيدجر» وحديقتي

وأنا أقرأ مقالة هيدجر «الغابة السوداء» التي هي أشبه بقصة قصيرة، يمجّد فيها حياة الريف وأجواء الطبيعة وعمل الفلاحين، تشاركتُ معه تلك المشاعر عن تلك الحياة، لأنني قد عشتها في بداية حياتي، وكوّنتُ لي، بعد أن غادرتها، حديقة صغيرة، تشبه ذلك الريف، وبها طرقات ثلاث.

الطريق في فلسفة هيدجر عبارة عن مادة فلسفية، ذات حضور في فلسفته، لذلك تراه قد اختار لسلسلة مؤلفاته الكاملة شعار «طرق لا مؤلفات» وهذا يعني أنه لا ينبغي التعامل مع أي من نصوصه كمجموعة من المعارف والمعلومات حول قضية معينة، بل كطريق، لأن كل نص من نصوصه هو طريق يسلكه التساؤل المفكر.

في حديقة منزلي الصغيرة ثلاثة مسارات، مسار يحتوي إضاءة عادية، ومسار يحتوي إضاءة خافتة، ومسار لا يحتوي على أي إضاءة، بل يكتفي بما يتسلل إليه من أضواء خافتة من بين أغصان الشجر، يمنة ويسرة، وقد اعتدت أن أمشي على أحد تلك المسارات بشكل منتظم، وأحيانا ترافقني زوجتي، ويكون الاختيار للمسار المُضاء برفقتها.

أطلقتُ على كل طريق من تلك الطرق، على رأي هيدجر، مسمّى، فسميت المُضاء الشارع، وسميت الخافت الضاحية، وسميت المظلم الغابة، والعجيب في الأمر أن أغلب نصوصي الأدبية، كنت قد كتبتها وأنا في الغابة، وفي بعض الأحيان، أكتب وأنا في مسار الضاحية، وعندما أراجع النصوص، فيما بعد، أجد اختلافا كبيرا بينها من ناحية عمقها الفلسفي، وأرى أنه قد تميز ما كتبته وأنا على طريق الغابة عن تلك التي كنت قد كتبتها وأنا في أماكن أخرى، والفرق يظهر في اختلاف شاعرية النص، وغزارته، وعمقه الفلسفي.

الشاهد من القصة أنه باستطاعتك أن تصنع بيئتك التي تساعدك على الإبداع، حتى لو لم تجد نُزلا ريفيا كحال هيدجر، وهو يطل من كوخه، في أعماق الغابة السوداء، الواقعة في جبال الألب بجنوب ألمانيا، فقد تجد مكانا متواضعا كحالي، وتكيّفه على ما تريد، فالعزلة ليست في بقائك في غابة، بل في تواجدك في مدينة صاخبة، ولا أحد يعيرك سمعا.

محمد آل سعد

خبير تقويم تعليم، مهتم بالتنمية البشرية والتخطيط والتطوير حيث عمل مديراً للتخطيط والتطوير بوزارة التعليم في منطقة نجران. عضو مجلس إدارة نادي نجران الأدبي سابقاً, شارك في العديد من المؤتمرات داخليا وخارجيا , له 8 مؤلفات متنوعة , كتب في العديد من الصحف السعودية بالإنحليزية والعربية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق