برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
جلوكوز

«Nomadland»

بسبب الأزمة الاقتصادية الكبيرة في عام 2008 يعلن مصنع الجبس الأمريكي في أمباير – نيفادا الإفلاس، مسرحا بذلك جميع عماله، ومن ثم هجرة سكان تلك المدينة النائية من المنطقة، ليعلن بعد ذلك موتها، أحد هؤلاء السكان هي الشخصية الخيالية «Fern» امرأة ستينية تقوم بدورها الممثلة «Frances McDormand» التي تفقد زوجها بعد ذلك بفترة بسيطة، فتكون بهذا فقدت كل ما تملك، مجتمعها، ذكرياتها ومنزلها، وتختصر مدخراتها في شاحنتها المستطلعة، كما أسمتها، وترحل بحثا عن أعمال موسمية مؤقتة أينما وجدت، وتنفتح طرق الحياة بقسوتها وهباتها أمامها، فتخوض حربها مع فقدان الاستقرار والأمان المالي وباقي كرامتها.

«لست بلا مأوى أنا بلا منزل فقط والأمر مختلف» مقتبس من الفيلم بدون مكياج أو ملابس جميلة أو مظاهر اجتماعية مألوفة، بل بشخصية تميز فيها الألم بدون مبالغة مع ابتسامة متدفقة بالحنان، هكذا طرزت «Frances McDormand» السينما، برائعة من روائع الفن مع مجموعة من الممثلين، الذين هم في الحقيقة نجوم القصة الحقيقية يعرضون واقعهم القاسي.

تقودها علاقاتها الطيبة بالناس نحو رابطة للمشردين والرحل، التي أسسها «Bob Wells» الذي يقوم فعليا بأداء دوره، ليجمع المكسورين الذين تخلى عنهم المجتمع والحكومة ويتبادلون الرعاية والدعم، ويوفر قوارب النجاة لهم من تبعات الأزمة الاقتصادية،

محاربون قدامى يعانون تبعات نفسية، وأناس فقدوا أحبتهم أو أعمالهم بدون تعويضات، ومرضى يرفضون الموت على الفراش، كبار في السن بدون ممتلكات رفاهيتهم ضوء الشمس والأرض والسماء ومأواهم يذهب معهم أينما اتفقت الظروف، يكيفون حياتهم وفق إيقاع المناخ وظروف العمل المؤقت في الشركات والمتنزهات، متناغمون مع كل الظروف القاسية في بيئة العمل والحياة، كما عبرت إحدى المشاهد عن ذلك بعبارة موشومة على جسد أحدهم «هل الوطن مجرد كلمة؟ أم شيء تحمله في داخلك؟»

تعيد لك مشاهد الفيلم ذلك الإحساس بالتجرد من الأعراف الاجتماعية الذي عايشناه في فيلم «Into the wild» حيث الإنسان مجرد ذرة عابرة بين مخلوقات باقية منذ الأزل، والطبيعة نافذة استرخاء ببساطتها وطهارتها وعظمتها رغم وحشة الشعور المتدفق من قصص أبطال الحكاية، تخيفنا الطبيعة ولكنها الأم الحانية لكل الهاربين من قسوة المجتمعات البشرية والاقتصادية.

تبدأ الموسيقى التصويرية الساحرة بعد الدقيقة السادسة عشرة لتنساب مع حيثيات الفيلم العميقة بصورها وحواراتها، وتقودك نحو مستوى مفرط الشاعرية للذوبان في بساطة وواقعية القصة، وتأتي قصيدة شكسبير في إلقاء مؤثر من «Fern» لتنقل المشاهد إلى ترف الاستشهاد الأدبي الموفق، هذا الفيلم بكامل ركائزه سيخلد في الذاكرة.

هيفاء العمري

هيفاء محمد العمري، كاتبة وقاصة صدر لها «وشايات» مجموعة قصصية؛ مارست كتابة المقال لدى عدد من الصحف السعودية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق