برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قضايا معاصرة

الترفيه المُخملي وتداعياته

تنطلق فكرة الترفيه بمختلف وسائله وبرامجه، من متطلبات مشروع تنموي لـ«رؤية 2030» بما يستهدف المجتمع بكامل شرائحه وفئاته، ليُسهِم الترفيه مع غيره من المؤسسات التنموية في الارتقاء بثقافة المجتمع وتطوير تطلعاته وأهدافه، وتلبية ميوله وهواياته من جانب، واستثمار الأوقات، فيما يستفيد الفرد والعائلة من برامج الترويح والتسلية أحيانا، سواء في الرحلات بين أرجاء الطبيعة، لاكتشاف خبايا وطننا بما يزخر به من مقدرات وموارد تستحق الاستثمار فيها، أو من خلال تنظيم برامج ترفيهية مفيدة، كتسلق الجبال وارتياد الصحراء والبحار والغابات والسواحل، عبر برامج متنوعة وفعاليات ومسابقات مختلفة، أو في ما يقام كذلك من احتفالات ومهرجانات تستهدف نشر البهجة والسرور والسعادة، للترفيه والترويح  المتنوع المحتوى بما تتطلبه ذائقة المجتمع.

عندما تجد معظم برامج الترفيه التي تطلقها الجهة الرسمية المسؤولة عن الترفيه للمجتمع، لا تخاطب ولا تهتم إلا بالطبقة المخملية فقط، وأنها تطلق برامجها المتنوعة، لترفيه فئات محدودة جدا من المجتمع، ألا ينتابنا العجب والتساؤل عن حقيقة ما يحدث حولنا من فعاليات موجهة لطبقة معينة؟ ولماذا هذا الاستعراض غير اللائق لأسعار وتكاليف الحضور، بمبالغ وأرقام تبدو خيالية لمعظم فئات المجتمع؟ بل هي في حقيقتها مبالغ تتعدى الراتب الشهري لكثير من المواطنين، أرقام تُعد قياسية مقارنة حتى بما يجري من فعاليات ترفيه في الدول المجاورة والبعيدة.

التساؤل الذي يطرح نفسه: هل نحن نعاني من حالة انفصام نفسي وانفصال مؤسسي عن المجتمع وشرائحه، بما يجعل الترفيه المقدم لا يستوعب نوعية شرائح المجتمع حوله؟ هل يعتقد المسؤولون عن برامج الترفيه أن برامجهم تلك تحقق الأهداف المرجوة منها نحو المجتمع؟ هل الترفيه تستحقه فئة معينة فقط دون غيرها؟ وماذا عن الفئة الغالبة من المجتمع الذين يكتفون بالتندر على تلك البرامج، أو يسعون إلى مشاهداتها إن أمكن عبر الأثير؟ ألا يستحق هؤلاء المشاركة في كثير من البرامج التي تُطلقها الهيئة؟ أليسوا أهم من هؤلاء الذين تتم استضافتهم من الدول الأخرى، ومن المقتدرين كذلك من داخل الوطن للحضور؟

من المعروف أن هناك درجات مختلفة ومستويات متباينة في الأسعار، لراغبي حضور البرامج الترفيهية، ولكن أن تبدأ المستويات في حدها الأدنى بما يتعدى الراتب الشهري للكثير من الشرائح في المجتمع، فهذا أمر يدعو للعجب والتندر بل والاستهجان بتلك النشاطات التي تُطلق برامجها، وكأنها تعيش في كوكب يختلف عن نسيجها الاجتماعي، برامج ترفيهية، أقل ما يذكر عنها أنها تُحرِجْ المجتمع في إمكانياته المادية، بنشاطات تُهمش في مسؤوليتها واهتمامها معظم شرائح المجتمع، التي تتطلع إلى الترفيه ببرامجه المختلفة، وتنتظر فعالياته.

الترفيه بواقعه القائم، يدفعك إلى مقاطعة نشاطاته التي لا تستوعب حاجات المجتمع وإمكانياته، ترفيه يخلق الضغينة والحقد والتفرقة بين شرائح المجتمع، ترفيه يدعو إلى الطبقية والعنصرية للطبقة المخملية، ترفيه يجعلك تعتقد بأن مسؤولي الترفيه يعيشون في أبراج عاجية عالية، لا تسمح لهم برؤية هؤلاء الصغار الكادحين من ذوي الدخل المحدود الذين يمثلون غالب المجتمع، ترفيه يسيء في رسالته إلى معنى الترفيه المستهدف في التنمية، الذي يقصد به الترويح ونشر السعادة والطاقة الإيجابية بين أفراد المجتمع، ترفيه يُقسم المجتمع إلى فئتين إحداهما مميزة لها حق الاستمتاع ببرامج الترفيه المقدمة، وأخرى محرومة حتى من الترفيه المدفوع بمبالغ لا تستوعبها ميزانيتهم.

لا شك أن بلوغ سعر التذكرة لحضور احتفالية طربية معلنة بـ11.500 ريال كحد أدنى للسعر، الذي يرتفع ليصل إلى 60.000 ريال، ليدعو إلى الذهول والعجب من أن يكون ذلك البرنامج برعاية رسمية من الجهة المسؤولة عن ترفيه المجتمع، التي يفترض أنها من يضع للقطاع الخاص المعني بالترفيه، معايير وشروطا لنوع الترفيه ومستواه وأسعاره، التي لا بد وأن تناسب مختلف طبقات المجتمع، لأن برامج الترفيه ومشروعاته المختلفة، إنما هي جزء من برنامج تنموي يستهدف كل المجتمع، ويسعى نحو مشاركته بمختلف فعالياته ونشاطاته المقامة، سواء كان من قبل الهيئة أو من قبل منشآت القطاع الخاص كشريك وطني في التنمية المجتمعية.

عبلة مرشد

عبلة عبدالجليل مرشد، دكتوراه في فلسفة الجغرافيا البشرية من جامعة الملك سعود بالرياض، كاتبة رأي في عدد من الصحف السعودية. مهتمة بالقضايا الوطنية ذات الصلة بالتنمية في جميع مساراتها البشرية والاقتصادية، واهتمامًا خاصًا بسوق العمل والتوطين وتمكين المرأة وجودة التعليم ومخرجاته وتحقيق «رؤية 2030» إلى جانب الاهتمام بجميع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخليجية والعربية وتطلعاتها التنموية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق