برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
خلجات

الندم

حالة انفعالية تنشأ عندما ينظر الإنسان إلى ماضيه، ويعتقد أن حاضره كان سيكون أفضل لو اختار خيارات مغايرة وسلك مسارات مختلفة، ويرتكز الندم على ثلاثة عناصر هي:

– أن تتوفر الخيارات ليختار منها، فعدم توفر البدائل قد يولد مشاعر كالإحباط، ولكن ليس الندم، كأن يكون التخصص غير موجود أصلا.

– الإحساس بالمسؤولية، فلا يمكن الندم على أمر فات بسبب كارثة طبيعية، أو قرار مفروض من الخارج.

كما تؤثر قدرة الفرد الذهنية على التخيل في زيادة حدة الندم، فالأشخاص الذين يتمتعون بمستوى ذهني عالٍ عرضة لمستويات أعلى من الندم، لأنها تعطيهم تصورات وسيناريوهات أكثر لمسارات حياتهم لو اختاروا خيارات مختلفة.

ففي دراسة أجراها علماء النفس الرياضي في اللجنة الأولمبية الأمريكية كان من نتائجها أن حائزي الميدالية الفضية لديهم مستويات أعلى في حدة الندم من الحائزين على البرونزية، لأنهم يرون أنهم كانوا قريبين جدا من الاحتفال بالمركز الأول، في حين يشعر الحائزون على البرونزية بالامتنان لإحرازهم ميدالية.

ويزداد الندم في المجتمعات الأكثر فردانية، لأن الفرد مسؤول أكثر عن خياراته، عكس المجتمعات التي تلعب فيها العائلة دورا مركزيا، فالخيارات مفروضة، ومن السهل تحميل المجتمع وزر نتائجها.

ويتأرجح الندم بين الفعل وتفويته، وندم التفويت أشد حدة من ندم الفعل، فإدراكنا يركز على الأهداف المفقودة أكثر من المحققة، فيمكن تخفيف حدة ندم الفعل بإيجاد تسوية نفسية أو ذهنية أو مخرج تبريري كإصلاح أو اعتذار، في حين لا يمكن إصلاح مفقود.

وللذات ثلاثة أبعاد، ذات حقيقية تمثل شخصية الفرد الحقيقية ورغباته وغريزته، وذات اجتماعية يتطلبها مجتمعه، وذات مثالية تمثل النموذج الأكمل الذي يطمح له، وتختلف حدة الندم ودرجته حسب الفجوة التي يوجد بها بين هذه الذوات، فالفجوة بين الذات الحقيقية والاجتماعية تحدث شعورا بالقصور في الدور الاجتماعي المأمول، وتفرز مشاعر الخزي والعار والذنب، ويمكن ردمها بالاعتذار أو القيام بأدوار اجتماعية مقبولة، في حين أن الفجوة بين الذات الحقيقية والمثالية، تحدث فجوة في أعماق النفس يصعب ردمها، وكلما زادت الفجوة بين الذات الحقيقية والمثالية زادت الخيبات واتسعت دائرة الندم التي يصعب ردمها.

وأخيرا فإن الندم شعور بشري صحي وسوي كالألم الجسدي، يجعلنا نعيد ترتيب أولوياتنا وخياراتنا لتكون أكثر نضجا، ومن لا يندم سيبقى في دوامة الجمود، فالطبيعي أن تؤدي كل الخيارات إلى عوالم متشابكة من النجاح والإخفاق، وبالتالي تحتاج إلى إعادة صقل وتحسين مستمر، للوصول إلى أفضل نموذج ممكن، بل إن التخلي عن المشروعات الفاشلة والعلاقات المسمومة بأقل الخسائر، يعطي فرصة لتقييمها بشكل أكثر موضوعية، ويظهر الخيارات البديلة التي تعطي نتائج أفضل.

علي حجي

علي محمد حسن حجي، حاصل على ماجستير في علم النفس من جامعة الأمام محمد بن سعود، كاتب مقال في عدة صحف سعودية سابقا.

‫7 تعليقات

  1. شكرا استاذ علي كفيت ووفيت ودخلت في تفاصيل دقيقة عن الندم ففعلا المتأمل فيه يجد فيه دهاليز ودهاليز

  2. نشكرك استاذي الفاضل لما قدمته في هذا المقال
    الذي كان فحواه تتحدث عن حالة او شعور ينتاب الشخص
    حين يصيب بنوبة من الحزن والالم

    1. شكراً أستاذ علي
      فعلاً الإنسان يعيش في موج متلاطم من أحداث الحياة ترفعه موجه وتحطه موجه ، يبقى الاتزان سيد الموقف 🌹

  3. “مصطلحات كتبهاالأستاذ/
    علي حجي ”
    ( ويمكن ردمها بالاعتذار ) ..
    وأيضاً ؛
    ( تُحدث فجوة في أعماق النفس يصعب ردمها )..
    وأيضاً ؛
    ( وكلما زادت الفجوة بين الذات الحقيقية والمثالية زادت الخيبات واتسعت دائرة الندم التي يصعب ردمها. )
    ..
    ياسيدي الفاضل ..
    يقول الله تعالى :
    ” ( ولا يُنبئك مثل خبير ) ”
    ..
    و من الطبيعي والبشري أن الندم حالة نفسية إيجابية ينتج عنها المزيد والكثير من الألم في اللحظة ،
    وكثير من الإيجابية بعد الألم.
    أستاذي الكريم ، أبو عبدالعزيز
    ” قولّ كريم من رجلٍ رشيد ”
    وجدتُ في هذه السطور كثيراً من التجلي في الأعماق البشرية المختلفة فسرني ما وجدتُ وسُررتُ جداً أنگ للقوسع بارٍ.
    كل التقدير .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق