برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
آراء وأفكار

استمرارية متنكرة

أعلم -عزيزي القارئ- أنك مندهش من العنوان، وربما تتساءل في نفسك ما الجدوى من العودة في كل مرة لسنة لم نصدق متى تخلصنا منها، ونحن الآن واقفون على أعتاب سنة جديدة، آملين أن تكون أفضل من سابقتها.

رغم أني لا أومن كثيرا بالبدايات وأعتبر كل انطلاقة جديدة استمرارية لما سبق، وأنها فقط متنكرة في بداية جديدة «كأنها رفض واعٍ للحالة التي كنا عليها من قبل، ونفضل أن نعيش على وهم البداية ونعتبرها فرصة للمحاولة من جديد وتخطي ما مضى»

من حيث لا يحتسب، جاءت الجائحة لتفك ما كان معقدا وتكشف ما كان مستورا، تخطت كل حواجز العقل وجعلتنا ندخل رحلة من الترقب، بين الماضي والحاضر وما قد يحدث في المستقبل، كل السيناريوهات أصبحت ممكنة، وفي أسابيع قليلة ألقت الأزمة بظلالها القاتمة على شتى جوانب الحياة، وشلت حركة الكرة الأرضية بشكل لم نكن لنصدقه لو تداولته رواية تاريخية أو قصة خيالية تحكيها لنا الجدة قبل موعد النوم، لكننا اليوم نكاد نجزم أنه في حوزتنا ما يكفي لنحكيه للأجيال المقبلة.

هذه الأزمة التي غربلت الشظايا الظاهرة، ولم تبق سوى نخالة صفاتنا المتساوية على وجه الحقيقة من ضعف وخوف وقلة الحيلة.

سنة كانت كافية لنعيش ونرى ما لم نتخيله البتة، وعلى قول الحسن البصري «الناس سواسية وقت النعم، فإذا نزل البلاء تباينوا» من هنا ظهر المبصرون من نوافذهم يرجمون بالغيب، يحيون من أرادوا ويميتون من أرادوا، من هنا ظهر أصحاب التفكير الضيق يشمتون في آخرين في الضفة الموازية من الكرة الأرضية، في رواية أخرى ظهر من هم مقتنعون بنظرية المؤامرة، أما أصحاب الوعي والتفكر فقد كان صوتهم أخفت من أن يسمع وكلامهم أخفى من أن يرى.

أتت هذه الجائحة لتوحد المجزئ، ودحضت بالحجة ونحوها لتترفع عن المميزات الدينية واللغوية والعرقية والجنسية، وأوهام العنصرية، وجعلت الكل على حد سواء، والبرهان كان أن أصبحت سلامة المرء في شرق الأرض رهينة بسلامة آخر في غربها.

في هذه الأزمة أصبح النصف يعول عليه، بعد أن فرقت ما كان مجتمعا، وجمعت ما كان متفرقا، لكن الفايروس الفتاك لم يرض إلا بأن نقاسمه نصف حياتنا، لنعيش معه أنصاف كل شيء حتى الحلول المتاحة، فقبلنا بنصف المرتب ونصف الفهم ونصف الفرح حتى نجعل عجلة الحياة تدور ولو بشكل متثاقل.

السنة التي مضت كانت قاسية على الجميع، فحتى الذين نجوا من ضربة الفايروس، فقد عاشوا أزمة من نوع آخر، ويبقى انتظار الفرج عبادة مع العلم أن كل عسر يرافقه يسر كبير، لهذا من واجبنا أن ننفض غبار اليأس ونستمر في المشي نحو المستقبل، محملين بالأمل والتفاؤل.

وأخيرا، لا ننسى أن الزمن هو مجرد مفهوم نسبي وقالب شكلي نضبط به المواعيد وبرامج واجباتنا في هذه الحياة.

مشعل أبا الودع

مشعل أبا الودع الحربي، بكالوريوس إعلام، كاتب في عدد من الصحف العربية والخليجية، صدر له كتاب «مقالات أبا الودع في الألفية».

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق