برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
صدى القرية

المثقف المسؤول.. والمسؤول المثقف

تعاني المجتمعات المتراجعة حضاريا من غياب شخصيتين مهمتين، هما ركن الحضارة والتقدم والازدهار والتنمية في المجتمعات المتقدمة حضاريا واقتصاديا وفكريا، ولا يمكن -من وجهة نظري- تحقيق أي تقدم وازدهار وتنمية مستدامة وتطوير وتحديث، إلا حينما نجد هاتين الشخصيتين تهيمنان على المشهد الثقافي والاجتماعي والإداري في مجتمعاتنا العربية.

هاتان الشخصيتان هما: المسؤول المثقف والمثقف المسؤول، وسأتحدث في هذه المقالة عن أهم الشخصيتين وهو المسؤول المثقف.

إن المسؤول المثقف مطلع على واقع دولته وإمكانياتها ومواطن قوتها وضعفها، وقارئ لتاريخها وتراثها وما فيه من المميزات الإيجابية التي يبنى عليها، والخلل الذي يجب تنحيته لتناقضه مع قيم العصر وتطور عقل الإنسان وأسلوب حياته -حتى إن كان هذا التراث مناسبا لزمانه ومكانه الذي نشأ فيه- وفوق ذلك فهو متخصص في الإدارة الحديثة ونظرياتها المتجددة، عارف بواقع مؤسسته ويمتلك الاستراتيجيات والخطط المحددة الواضحة بأهدافها القريبة والمتوسطة والبعيدة، ومؤمن بوطنه ومصالحه العليا، حريص على تقدمه وازدهاره ورخاء وسعادة مواطنيه بكل طبقاتهم، جاعلا ذلك فوق المصلحة الشخصية والأهواء الذاتية ومعتقداته الدينية.

فهو يشجع التغيير والإبداع ويبحث عن العباقرة والأذكياء والنابهين لدعمهم وتمكينهم، ويؤمن بقيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وأنها أساس كل نهوض وتقدم وازدهار وسلم اجتماعي، ولا يتعصب لملة ولا طائفة ولا عرق أو قبيلة، ويؤمن أن المرأة مواطن أصيل لها ذات الحقوق، وعليها ذات الواجبات ويستقطب الكفاءات ويوظفها في المشروع الوطني العام دون اعتبار لمعايير الجنس والعرق والمذهب.

إن هذا المسؤول المثقف حين يكون كذلك، سيحيط نفسه بمستشارين ووكلاء أذكى وأوعى منه وأشد إخلاصا وكفاءة ونزاهة، وهم الرافعة الحقيقية لمؤسسته والوجه الحضاري لها، وبهم سترتقي مؤسسته وتنافس وتزدهر، كما قال «كارنيجي»: لست ذكيا ولكنني أحطت نفسي بالأذكياء.

يؤسفني جدا أن أرى مؤدلج الفكر ضحل التفكير ضيق الأفق قليل الثقافة متعصب الهوية، يقود مؤسسته بعقلية القرون الوسطى، وقد أحاط نفسه بأشباهه الذين تترهل بهم المؤسسة وتتراجع، ويكون همه الحفاظ على كرسيه وتحقيق أكبر المكاسب الشخصية قبل مغادرته وتكوين علاقات مصالحية لما بعد تقاعده.

لا يمكن لمؤسسة أو جهة أن تنهض بمسؤول يظن «دوركايم» نوعا من الآيس كريم و«روسو» فيلما كرتونيا، وينظر للحياة بمنظار طائفي، لا يختلف عن منظار جده العاشر، ويرى موروثه حقيقة مطلقة متعالية عن النقد والمراجعة، ولا يعرف من حقوق الإنسان إلا ما يوافق مذهبه وعادات عشيرته، ويرى الوظيفة تشريفا لا تكليفا، متناقض يتحدث عن التغيير ويسأل الله الثبات، ولا يراه الناس إلا في مناسبات عامة محددة، فهو متعالٍ لا يختلط بهم ولا يدرك الواقع على حقيقته، ولو كان حسن النية فإن من حوله من مستشاريه وكبار موظفيه يظهرون له الصورة التي يريد أن يراها، ويبرزون له الأشكال التي تشبههم ويرضون عنها، فيقود مؤسسته بجهل وعلى جهل، فتضيع التنمية، ويظل التحديث شكليا لا يمس الجوهر، ويختفي المبدعون والناقدون، فلا يسمع إلا التصفيق ولا يرى إلا التطبيل والتزييف للواقع.

إن الوطن الذي جعل منا أعظم شعب بعد أن كنا على هامش الحياة، جدير بالتضحيات الكبيرة.

أحمد الغيلاني

أحمد محمد علي الغيلاني، طالب دكتوراه، ماجستير في أصول التربية من جامعة الإمام محمد بن سعود، له أربعه مؤلفات مطبوعة، وثلاثة أخرى تحت الطباعة. مارس الكتابة الصحفية في عدد من الصحف السعودية والخليجية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق