برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

حياة للنشر

المتتبع لوسائل التواصل الاجتماعي على اختلافها، سيدرك وبشكل مباشر أن المجتمع تحول شيئا فشيئا ليكون مجتمعا للنشر، سيجد أدق تفاصيل حياة الأفراد وجميع تعاملاتهم اليومية معروضة على هذه الوسائل وبشكل متواتر ومستمر، وإن رغبت في معرفة آخر تفاصيل وأخبار أي شخص كل ما عليك أن تدخل أيا من وسائل التواصل التي يستخدمها وستعرف هذه التفاصيل.

وقد بدأ التحول نحو نشر الحياة الشخصية للناس من خلال تليفزيون الواقع الذي ظهر في التسعينيات، ولاقت برامجه متابعة كبيرة من الناس، ثم ما لبث أن أفرز هذا الشكل من العرض برامج ومسابقات حصدت ملايين الدولارات، مثل برنامج ستار أكاديمي الشهير وغيره من برامج.

وأعتقد أن فيلم «Truman Burbank» لجيم كاري الذي صدر في عام 1998، استشف هذه التغييرات بحرفية رغم أنه تحدث عن تليفزيون الواقع وليس عن البث الشخصي، لكنه تحدث بدقة عن كيفية تسليع الحياة الشخصية للإنسان وتحويلها إلى تجارة من جهة، وإلى متعة للمتابعين الآخرين من جهة أخرى.

فمع التطور المهول في عالم الإنترنت وظهور المنصات العامة والخاصة التي تسمح للجميع باستخدامها للبث دون مقابل، حدث التحول للبث الشخصي الذي مارسه المشاهير في البداية، قبل أن يتجرأ الأفراد لدخول عوالمه، ليصبح في وقت لاحق سلوكا يمارسه الجميع، يبث تفاصيل حياته بحثا عن تعليق أو ردود فعل قد تمثل قيمة معنوية ومادية.

بث الحياة الخاصة لم يكتف بكسر حرمة الحياة الشخصية وخصوصيتها، وإنما أصبح شكلا مباشرا من أشكال تسليع الحياة وتحويلها إلى صناعة.

هذا التحول صنع نوعا من التحور على مستوى القيم المجتمعية والأخلاقية وفتح الباب على مصراعيه للأفراد، ليقوموا بعرض حياتهم الشخصية كسلعة قد تحقق دخلا ماديا أو قد تكسبهم معنى لحياتهم على المستوى المعنوي، وتشعرهم بأنهم أشخاص متميزون ومهمون، وذلك من خلال تعليقات الناس ومتابعتهم لما يبثونه من تفاصيل حياتهم اليومية.

فمن جانب، فإننا نرى أن بيع الحياة الشخصية وتحويلها إلى سلعة تحقق مكاسب مادية أو معنوية، أصبح سلوكا مقبولا لا يتم استهجانه من المجتمع، ولا ينقص من قيمة واحترام الفرد الذي يقوم بممارسته، ومن جانب آخر فإن هذا السلوك الجديد الذي يرتكز على رصد وتوثيق مظاهر الأشياء، الذي يمارس على نطاق واسع، أصبح له تأثير كبير في تسطيح حياة الناس وعلاقاتهم وعواطفهم وتقاطعاتهم اليومية المعاشة، وتحويلها إلى مواقف تمثيلية أكثر من كونها حقيقة معاشة، وهذا أمر في غاية الخطورة، برأيي.

لا نعرف بماذا ستأتي التقنية لحياتنا في المستقبل، ولكن ما نعرفه اليوم أن حياتنا لم تعد كما كانت في السابق، لا من حيث خصوصية ما نمارسه فيها، ولا من حيث حقيقة هذه الممارسات وصدقها وبعدها عن التظاهر والزيف والرياء.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق