برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بُعد آخر

في وداع «علي الشعبي»

فُجعنا قبل أيام برحيل أكاديمي مميز ومثقفٍ أنيق وكاتبٍ جميل، وعَلَم من أعلام منطقتي جازان وعسير بل والوطن، إنه علي بن عيسى الشعبي.

لن أقول إننا تزاملنا على صفحات «آراء سعودية» فمقامُه بالنسبة لي ولجيلٍ كاملٍ مقام الوالد لأبنائه والأستاذ لطلبته، وتجاور أقلامنا على الصفحات ها هنا عبر زاويتيّ «فاصلة وبعدٌ آخر» لم يكن سوى امتداد لعلاقةٍ وطيدة بالفقيد الحبيب وأسرته تتجاوز العقود.

وبينما أكتبُ هذه السطور تعود بي الذاكرة إلى أحد صباحات أبها الباردة في ثمانينيات القرن الماضي، ولقائي الأول به، عند مدخل سكنِ أعضاءِ هيئة التدريس بفرع جامعة الملك سعود، بعد عودته من كارديف في المملكة المتحدة حاملا الدكتوراه، وكنتُ ما أزال حينئذٍ تلميذا في المرحلة الابتدائية.

قابلني «الشعبي» بابتسامته المعهودة التي لم تبارح ثغره لعشرة أعوامٍ تلت ذلك اللقاء، عرفتُه من خلالها جارا نؤدي الفروض في ذات المسجد، وعرفته اجتماعيا كريما يلتفُّ حوله جيرانه وزملاؤه وطلابه.

بعد تخرجي من الثانوية العامة زرتُ عمادة القبول والتسجيل بجامعة الملك خالد، التي كان عميدا لها آنذاك، قدمتُ أوراق التحاقي بالجامعة ثم صعدتُ للسلام عليه، وهناكَ شاهدتّه للمرة الأولى في مكتبه بهيبةِ الإداري الحازمِ دونَما فظاظة أو غلظة قول، وتلمستُ حنوّ الوالدِ في تفهمه ومساعدته لطوابير الطلاب القادمين من أصقاعِ المنطقة وما جاورها باحثين عن مقعدٍ جامعي.

وأعتزُّ بأن جلستُ مستمعا لأطروحاته حول السياحة والتنميةِ في عدة مناسبات، أطروحات أكاديمي فذّ ومتحدث بليغ لبق، ينتقي مفرداته بعناية ويُشخص الواقع ويستشرف المستقبل لخيرِ أبناء محافظته ومنطقته ووطنه.

وفي مرحلةٍ تالية من العمرِ، حين اتخذ الكثيرون من حوائط فيس بوك متنفسا وتسلية، سخّر الراحلُ صفحته لتكون منبرا يطرح من خلاله أفكاره التطوعية ويشحذُ همم متابعيه للتفاعل والتعاون ونشر القيم الأصيلة.

رحلةُ الحياة قصيرة، لكن الأفذاذ علما الممتلئين حكمة قادرون على جعلها رحلةً زاخرةً بالعمل عامرةً بالعطاء، ووالدنا علي الشعبي أنموذجٌ جديرٌ بأن يُحتذى من قبلِ شباب الجيل، قدوة حسنة في نجاحاته وعصاميته، ودرس عظيم في الصبرِ على الأوجاع ومجابهتها بالتفاؤل والأمل حتى الرمق الأخير، له الدعاءُ بالرحمة والمغفرةِ والفردوس الأعلى، ولأخي عيسى ووالدته الفاضلة وأشقائه وشقيقاته الأعزاء ولكل أحبابه، خالص العزاء والمواساة.

ايمن العريشي

ايمن علي العريشي: محاضر وباحث في مرحلة الدكتوراة، له عدة مقالات رأي منشورة في عدة صحف سعودية وخليجية كالوطن السعودية و الجزيرة والحياة والرؤية الإمارتية وإيلاف الإلكترونية و موقع هات بوست.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق