برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بعض من بوح

فقد اليسرى فأبدع باليمنى

عندما أودع ميغيل دي ثربانتس «1547 – 1616» السجن لخمس سنوات في الجزائر بعد أسره في «1575» أثناء مشاركته ضمن قوات عسكرية إسبانية، لم يعتبر ذلك نهاية العالم ولم ينقلب ضد مبادئه بل استثمر تلك المدة ومن وجوده بين أربعة جدران لكي يخرج للعالم ككاتب متميز. وقد استفاد «ثربانتس» من بيئة الجزائر في كتاباته لاحقا، حيث جاءت رواية دون كيخوته الشهيرة «وتسمى كذلك دون كيشوت» التي كان من بعض شخصياتها شخصيات حقيقية في الجزائر مثل ثُريدا أي ثريا، التي يقال إنها أحبت «ثربانتس» وحاولت مساعدته على الخلاص من أسره.

في فترة خدمته العسكرية فقد يده اليسرى ولكن ذراعه لم تقطع بل فقد القدرة على استعمالها فقط، وهو ما جعله يتفاخر بذلك ويكتب فيها القصائد، ثم يبدع بعدها ليسطر بيده اليمنى واحدة من أفضل خمس روايات في العالم.

ونتيجة مباشرة لكثافة ونوعية قراءاته فقد بلغ من قوة أسلوبه وجمال عباراته وقدرته على الإبحار في عالم اللغة أن سميت اللغة الإسبانية «لغة ثربانتس» وينظر الإسبان إليه نظرة إجلال وإكبار كما ينظر البريطانيون لشكسبير وأكثر، وذلك لأنه كتب أول رواية أوروبية حديثة، تعتبر من أعظم الأعمال في الأدب العالمي إن لم تكن أعظمها حسب أغلب النقاد، حتى اعتبروه مؤسِسا لفن الرواية الحديثة، علاوة على كونه شاعرا وكاتبا مسرحيا.

وقد حصل هذا الكاتب العبقري على تكريمات -بعد موته- ما لم يحصل عليه إلا قلة من الكتاب في العالم، ولو أردنا مجرد ذكر أسماء ما حصل عليه منها فلن تكفيها مقالة قصيرة كهذه، ومن هذه التكريمات عمل أهم جائزة أدبية باللغة الإسبانية باسمه، وتأسيس جامعتين باسمه.

كما أن المعهد الثقافي الإسباني الرئيسي يسمى ثربانتس ويضم 86 مركزا في 45 دولة، منها مصر والمغرب والأردن والجزائر وتونس ولبنان، وذلك لتعليم اللغة والثقافة الإسبانية وثقافة دول أمريكا اللاتينية الناطقة بالإسبانية.

ويقع المركز الرئيسي للمعهد في الضاحية التي ولد فيها ثربانتس في مدريد، كما تم تأسيس 14 مسرحا في خمس دول ومركزا صحيا باسمه، وهناك أسبوع ثربانتس السنوي، ومهرجان باسمه في إحدى المدن الإسبانية، وكُرم بوضع صورته على إحدى قطع النقود الإسبانية، ويتم سنويا تنظيم كأس ثربانتس لكرة القدم، حيث تقام مباراة ودية في ألكالا دي إيناريس، وتوجد عشرات التماثيل له في عدد من المدن الإسبانية، وتمثال في متحف الشمع في مدريد. كما تحول اسم روايته إلى مصطلح وهو «الدونكيشوتية» التي تعني كل سلوك مبني على حلم غير قابل للتحقق، وتم تمثيله كمسلسل وأنتج أكثر من فيلم من الرواية، وقد توفي ثربانتس يوم 22 إبريل «قبل يوم واحد من وفاة شكسبير» حيث سمي ذلك اليوم يوما عالميا للكتاب.

يوسف الحسن

يوسف أحمد الحسن، كاتب في مجال الثقافة والسياسة والمعلوماتية، تخرج بشهادة هندسة حاسب من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كتب في عدد من الصحف المحلية والعربية.

تعليق واحد

  1. مقال ملهم حقا لمن أراد أن يعلوا سلم الانجاز و التحقيق
    لمن يضع قائمة الاعذار نقول لا عذر فعندك كل شيء و يداك سليمتين
    شكرا للكاتب المبدع لن انسى ” الدونكيشوتية” فالابداع يولد عبر الخيال

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق