برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

تديّن جديد

قبل أيام كنت في أحد المقاهي، وكان لافتً توقف الموسيقى التي كانت تملأ المكان حين آن وقت الصلاة، لكن اللافت أكثر، كانت سيدة تعمل على حاسبها المحمول، ثم أخرجت سجادة وتوجهت إلى ركن قصيٍّ من المقهى لتؤدي الصلاة بعد أن أحكمت لبس حجابها الملوّن على الطريقة التي بدأت تشيع مؤخرا، وما أن انتهت من صلاتها حتى عادت إلى أوراقها وعملها تستأنف ما كانت تقوم به.

الحجاب الملوّن، العمل في مقهى مختلط، وأداء الصلاة في أوانها، وتوقف الموسيقى، كلها مفردات لتديّن مغاير عن التديّن المألوف، يصرّ البعض على اعتبار أن الدين واحد لا يتغيّر، ولكننا هنا لسنا مقابل الدين، بل مقابل تديّن، والتديّن ليس سوى ترجمة اجتماعية للدين.

بعبارة أخرى، ثمة ترجمات متعددة للدين نابعة من تعدد الثقافات والمجتمعات التي تحتضن الدين الواحد، بهذا المعنى نرى كيف يختلف التديّن في شرق آسيا مثلا، عن التديّن بالدين ذاته في القوقاز وفي شمال إفريقيا، وهذا ما يفسّر اختلاف الترجمة الاجتماعية أيضا، بالتغيّر الذي يطرأ على المجتمعات فتغيّر في نمط تدينها.

أن يتغيّر نمط التدين في مجتمع ما، فهذا لا يقتضي بالضرورة انحسار الدين كما يصوّر البعض ذلك، التغيّر في مظاهر التدين أمر طبيعي مع المتغيرات التي تطرأ على المجتمع، الذي عادةً ما يستوعب متطلبات التغيير ويسعى إلى التوفيق بينها وبين تقاليده الدينية.

وبالعودة إلى مثال الحجاب الملون، فإن المحجبة بهذا النوع من الحجاب، تسعى للتوفيق بين انفتاحها على العالم والموضة ودور الأزياء، دون التخلّي عن احتشامها بالمعيار الاجتماعي، ودون التخلي عن ثقافتها التي تعطي للحجاب قيمة دينية، ويقابلها أيضا، الشاب الذي لا يرى تناقضا بين الجينز وقصات الشعر الحديثة، وبين التحاقه بصفوف صلاة الجماعة في الأماكن العامة.

يسعى بعض المحافظين على إبقاء نمط التدين السائد كما هو دون تغيير، وهم بذلك يستندون إلى ما يرونه تطابقا بين الدين والتديّن، وهذا ما لا تسعفه التجربة التي تفيد بأن كل مجتمع يتديّن بصورة مختلفة عن غيره.

ولكن، يصر هؤلاء على ممارسة الإكراهات الاجتماعية التي تتطلب عنفا رمزيا ضاغطا بصورة مجهرية وخفية، لضمان إبقاء التدين السائد كما هو، ومحاربة كل تغيّر قد يطرأ على تدين الناس، وهم بذلك لا يعبئون إلى التنافر الذي قد يتولّد بين نمط الحياة التي ينخرط فيها الأفراد، ونمط التديّن الذي يعمم بوصفه الدين الذي لا يمكن أن يبدّل.

في حين، يشكّل التغيّر التدريجي والتلاؤمي لمظاهر التدين، الطريق شبه الوحيد لإبقاء الدين حاضرا وفاعلا في المجال العام ومؤثرا في التنضيد الاجتماعي، مع القدر الأدنى من التنافر مع الحياة وما يستجد فيها.

وللمتخوفين من انحسار الدين إثر تغير نمطه، فهم مدعوون للتأمل كيف تجذّر الحجاب ولافتات الحلال في الدول الأوروبية، عندما لاءم المسلمون هناك بين تقاليدهم الدينية، ونمط معيشهم اليومي في تلك المجتمعات.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

تعليق واحد

  1. هناك خلط في الموضوع..

    أولاً؛ ينبغي الإشادة بالتزام السيدة بالصلاة؛ فهي عمود الدين..

    ثانياً؛ لا ينحصر الدين في إقامة الصلاة؛ فإقامة الصلاة لا يصحح جميع ما يقوم به الإنسان من أعمال..

    ثالثاً؛ شكل الحجاب هي مسألة فقهية، لا تؤخذ من المحافظين ولا من الإصلاحيين، وإنما تؤخذ من أهل الاختصاص وهم الفقهاء الجامعون للشرائط..

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق