برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فلسفة

الفن بوصفه تأسيسا للثقافة

دعونا نتصور هذا السيناريو الذي أملاه علينا ما يمكن أن نسميه بالخيال الإنثروبولوجي، هو سيناريو متخيل، لكنه قد يصور الواقع القديم للإنسان أو يقترب من تصويره.

كان الإنسانُ قديما، في مراحل التطور البيولوجي الأولى، ملتصقا بالطبيعة والتجربة الحسية المباشرة، كبقية الحيوانات، لم يكن الإنسان يمتاز بأية قدرة جسدية، فلم يكن لديه مخالب قوية ولا أنياب حادة ولا أجنحة ولا مناقير، وكان بسبب هذا ضعيفا إذا قورن بالحيوانات القوية كالأسود والنمور والسباع عموما.

وكان الإنسان سيهلك وربما ينقرض في الصراع الدامي الذي يصف حياة الطبيعة لولا أنه يملك ميزة غير جسدية هي العقل، فبالعقل نجا الإنسان وتفوق في الصراع الطبيعي، فصنع من الحجارة سكاكين، ومن الأغصان رماحا، ومن الحديد سيوفا، ونحت من الجبال بيوتا، وحفر الأرض واستنبط منها الماءَ، وهكذا قام العقل بتعويض الإنسان عن فقره الجسدي.

العقل في بدايات التطور الإنساني كان وظيفة يشبع بها الإنسان حاجاتِه الأساسية من مسكن ومشرب ومطعم. لكن العقل سيقوم بوظائف أخرى غير الوظائف البراجماتية هذه. فسوف ينتج الفنونَ والحكايات والرسوم والأفكار. وأعتقد أن أول إنتاج للبشر خارج إطار مقتضيات النفع اليومي كان الإنتاجَ الفني. فكيف حدث هذا؟

العقل ينقسم إلى ثلاث ملكات، ونحن هنا نتبنى التقسيم الذي وضعه إيمانويل كانط:

1- مَلكة الحس: وهي تستقبل المعطيات الحسية من العالم الخارجي. وتحتفظ بصورها في الذاكرة.

2- ملكة الفهم: وهي تنتج المقولات القبلية والتصورات الكلية.

3- ملكة الخيال: وتتوسط بين ملكتيْ الحس والفهم. فتنتج خطاطات أولية أو رسوما تساعد ملكة الفهم على تطبيق المقولات على المعطيات الحسية، ويتم التطبيق هنا على صورة حكم. والحكم هو إدراج ما هو جزئي تحت ما هو كلي، كأن أقول «سقراط فيلسوف» فسقراط شيء جزئي «أو فردي» بينما فيلسوف فئة كلية، إذ هناك فلاسفة غير سقراط.

الفهم ينتج مقولة «السببية» مثلا، وهي مقولة فطرية ملازمة لعقل الإنسان، وتقوم ملكة الخيال بتطبيق هذه المقولة على أي حادث فردي آتٍ من التجربة، فعندما يرى الإنسانُ دخانا فإنه يعرف أن حدث الدخان كان مسبوقا بحدث النار. فالنار سبب الدخان. ولولا وجود مقولة السببية بشكل فطري في عقل الإنسان لما استطاع إدراك ارتباط الدخان بالنار.

ما يهمنا الآن هو مقولة «الجهة» وهي إحدى المقولات التي ينتجها الفهمُ. وتنص على أن الشيء في وجوده إما أن يكون ضروريا كوجود الله، إذ إن تصور الإله يفترض وجوده، فلا يمكن تصور كائن كامل لكنه يفتقر للوجود. وكذلك كون المثلث ذا ثلاث زوايا يعد أمرا ضروريا إذ يستحيل تصور مثلث ذي أربع زوايا.

النوع الآخر من أنواع الجهة هو الإمكان. وهو عكس الضرورة. فمن الممكن مثلا أن يكون لون الشجرة أزرق لا أخضر. فليس في الشجرة ما يمنع ذلك، بخلاف المثلث الذي تمنعنا ماهيتُه من افتراض أنه ذو أربع زوايا.

العالم المادي أو الطبيعة توجد على هيئة إمكان لا ضرورة. وليس هنا ما هو ضروري أو حتمي سوى القوانين الكلية التي تحكم الظواهر المادية الفردية، كقانون الجاذبية. فإذا تصورنا إمكانية أن يكون لونُ التفاحة أزرقَ فإننا لن نتصور إمكانية أن تسقط التفاحة إلى أعلى.

على كل حال، فالضرورة التي تميز القوانين الطبيعية ليست بنفس قوة الضرورة التي تحكم قوانين المنطق. فلنقرأ هذه العبارة المنطقية: إذا كان «أ» أكبر من «ب» و «ب» أكبر من «ج» فإن «أ» بالضرورة أكبر من «ج»

لنتخيل أننا استبدلنا بكلمة «بالضرورة» كلمةَ «من الممكن»؟ أعتقد أننا لن نقبل بهذا. فالنتيجة لا بد أن تكون لازمة عن المقدمة بشكل ضروري لا ممكن أو احتمالي. بينما احتمالية أن يوجد كوكب بلا جاذبية مقبولة.

إن إدراك ملكة الخيال لإمكانية أن يكون هناك عالمٌ غير هذا العالم المادي فتح الباب واسعا أمام الخلق الفني والإبداع الأدبي. فالخيال، بسبب إنتاج ملكة الفهم لمقولة الجهة، استطاع أن يتخيل عوالم موازية للعالم الطبيعي الممل. وهكذا فبدلا من توسط الخيال بين الحس والفهم، قام باستقبال المحسوسات وأخذ يبني ويركب منها أشياء جديدة لم تكن في العالم. هنا بدأ البشر يخرجون من عالم الطبيعة إلى عالم الثقافة. فالثقافة بدأت ليس بفضل العلم أو الفلسفة أو الدين بل بفضل الفن. ويؤكد ذلك أن الثقافات البشرية بدأت بالأساطير والحكايات الشعبية والرسم على جدران الكهوف. ومن عجبٍ أن هناك ثيمة مستمرة في تلك الأساطير والحكايات، وهي وجود شخصية خارقة تنتهك قوانين الطبيعة.

لنعد للسيناريو الذي بدأنا به المقالة. ولنفترض الآن أن أحد الناس عاد إلى بيته، وأخذ يشحذ سيفه ويحد سكينه استعدادا للبحث عن الطرائد في الصباح الباكر. لكنه وفي لحظة من الفراغ «الذي أنتج في نفسه شعورا بالملل وبالتالي شعورا بالألم» أخذ يزيّن مقبض السكين بالجواهر والحليّ. من الغريب أن هذا التزيين لن يجعل السكين يقطع بشكل أقوى. فالتزيين إذن لا يؤدي وظيفة براجماتية بل يشبع حاجة نسميها: الحاجة إلى الجَمال. وهذه الحاجة أنتجتها ملكةُ الخيال.

هذا المقبض المطرّز يرمز إلى تلك المسافة الأنطولوجية التي انتقلت بها البشرية من عالم الطبيعة إلى عالم الثقافة، ومن ثم فالفن كان هو البوابة التي عبروا منها.

لقد اكتشف الخيالُ البشري أن البشر يمكن لهم أن يضيفوا إلى العالم أشياءَ لم تكن فيه من قبلُ. وهكذا بدأ الإبداع باختراع الأدوات. لكن الانتقال إلى مرحلة أعلى، وهي مرحلة الثقافة، حدث في اللحظة التي صار فيها الإنسانُ ينتج أشياءَ من أجل المتعة أو اللذة الجمالية.

شايع الوقيان

كاتب سعودي، عضو مؤسس لحلقة الرياض الفلسفية. له عدد من المؤلفات منها: الفلسفة بين الفن والأيديولوجيا، وقراءات في الخطاب الفلسفي، والوجود والوعي: استئناف الفينومينولوجيا.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق