برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قضايا معاصرة

الأمن الصحي واقتصاد المعرفة

يشمل الأمن الوطني في مساراته التنموية، تحقيق مختلف وسائل وأدوات الأمن المجتمعي، بما يتضمنه من مجالات متشعبة وآليات مختلفة تستهدف بلورة الأمن في نموذج عملي تطبيقي، ويُعد الأمن الصحي والأمن الغذائي والأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي والأمن البيئي والأمن الأسري، صورا من تلك النماذج المستهدفة لتحقيق الأمن الوطني تنمويا ومجتمعيا.

تحقيق الأمن المستهدف بصورته الكاملة الفاعلة، يقتضي توفير كل مقومات وجوده النظري حتى يكون حقيقة ملموسة عمليا، وذلك يرتبط بالبنية التحتية والقاعدة المنظمة له، وأدوات تمثيله وموارده، ثم كيانات الإنتاج المرتبطة ببرامجه ومخرجاته المختلفة، وبذلك يتحول الأمن من واقعه النظري، إلى صورته العملية المتكاملة، فيطرح ثماره ونجني ريعه وخيره.

لتحقيق الأمن الصحي، فإن توفير البنية التحتية، يرتبط بالكثير من الماديات البنيوية كالمستشفيات ومراكز الرعاية الصحية بمختلف أدواتها وإمكانياتها، وما يتصل بها من مراكز للأبحاث المتخصصة ومعامل التحاليل المخبرية، في حين أن التشريعات والأنظمة والقوانين المؤسسية، تُسهم في تنظيم وتيسير تحقيق الأهداف المقصودة، ويُعد توفير كوادر الموارد البشرية المؤهلة صحيا بمختلف مستوياتها ومجالاتها، جزءا لا يتجزأ من المنظومة الأساسية لبلورة الأمن الصحي المستهدف، وتأتي الكيانات الإنتاجية المرتبطة بترجمة وبلورة البرامج الصحية والأنشطة المجتمعية والدراسات ومخرجاتها والأبحاث وتوصياتها، إلى نماذج حقيقية ملموسة، في قمة الهرم المرحلي للمنظومة التي تُمكِّن من تحقيق الأمن الصحي المثمر.

بفضل من الله ثم بجهود حثيثة من حكومتنا الرشيدة، تمكنا من الارتقاء بجميع مقومات التنمية البشرية وأدواتها، واستحوذنا على مكانة متميزة في مسارات التنمية البشرية وممكناتها، والتي أهلتنا -بالمرتبة 36- لأن نكون ضمن مجموعة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة جدا، بين 62 دولة تشاركنا في تلك المجموعة من الدول المتقدمة في العام 2019.

وفي إطار تحقيق الأمن الصحي وطنيا، فإن جائحة كورونا أكدت أننا تقدمنا وأنجزنا في إدارة تلك الجائحة وفي احتوائها، وفي الاهتمام بأبحاثها وما يتعلق بها من دراسات ونفقات، ما لم تنجزه دول تفوقنا تقنيا وتكنولوجيا من الدول المتقدمة، الذي تم توثيقه في تقرير صدر عن «مرصد البحث والتطوير والابتكار في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية» الذي أبرز مختلف الأنشطة الوطنية البحثية والابتكارية في مواجهة الفايروس، حيث ساهم العلماء والباحثون في الجامعات ومؤسسات البحوث الوطنية في نشر 269 ورقة بحثية في مجالات علمية معتبرة، غطت معظم المجالات العلمية الخاصة بسلسلة التدابير لمواجهة الجوائح، وتوزعت الأبحاث العلمية ما بين المستشفيات ومراكز الأبحاث المرتبطة بها والجامعات، علاوة على ما تم تقديمه من دعم مالي سخي، للأبحاث العالمية لمكافحة الفايروس المستجد، بهدف إيجاد حلول لبعض الإشكاليات التي فرضتها الجائحة.

ووفق التقرير، فإن السعودية حصلت على الترتيب العاشر عالميا، في قائمة الإنتاج البحثي للدول بحسب عدد الباحثين المسجلين فيها، وذلك بالنظر إلى عدد الأبحاث بين كل 1000 باحث، وقد حققت السعودية المركز الأول عربيا والمركز السابع عشر على مستوى العالم، في جهود الجامعات لنشر أبحاث «كورونا» ويذكر أن الجامعات السعودية نشرت ما نسبته 83.4 في المئة من إنتاج السعودية لأبحاث كورونا.

وقد رصد التقرير عدة ملاحظات على أداء منظومة البحث والابتكار الوطنية خلال الجائحة، الذي كشف عن محدودية وضعف التنسيق بين الجهات الفاعلة في المنظومة، رغم الكفاءة في أداء الأنشطة البحثية، إلا أن هذه المخرجات لتكون أفضل تحتاج إلى تطوير البنى التحتية والأطر والأنظمة ذات الصلة، علاوة على تنسيق عمل الجهات الفاعلة فيما بينها، تحت مظلة وطنية واحدة.

في ظل ما نعيشه من تحديات جائحة كورونا المستجد، وفي ضوء ذلك التنافس بين دول العالم في السيطرة على إنتاج اللقاحات والاستحواذ على توزيعها، وفي إطار ما حققناه من مستوى متقدم في عدد ومستوى منجزاتنا البحثية ذات الصلة بكورونا وتبعاتها، فإن السؤال الذي يطرح نفسه، ألا يستحق أمننا الصحي توجيه الاستثمار نحوه؟ ولماذا لا يتم دعم وتحفيز الاستثمار نحو متطلبات الصحة العامة وأدواتها، والرعاية الصحية والعلاجية وغيرها؟ وفي ظل ما نلمسه من تنافس دولي محموم في السيطرة على متطلباتنا الحيوية وحاجاتنا الصحية، فإن التحول إلى اقتصاد المعرفة، بإنتاج المعرفة وتصنيعها أصبح ضرورة وليس خيارا.

عبلة مرشد

عبلة عبدالجليل مرشد، دكتوراه في فلسفة الجغرافيا البشرية من جامعة الملك سعود بالرياض، كاتبة رأي في عدد من الصحف السعودية. مهتمة بالقضايا الوطنية ذات الصلة بالتنمية في جميع مساراتها البشرية والاقتصادية، واهتمامًا خاصًا بسوق العمل والتوطين وتمكين المرأة وجودة التعليم ومخرجاته وتحقيق «رؤية 2030» إلى جانب الاهتمام بجميع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخليجية والعربية وتطلعاتها التنموية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق