برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
آكام المرجان

المعاناة

في لحظات نشعر أن أجسامنا لا تقوى على تحمل مزيد من الألم والشقاء والعناء، نشعر وكأننا نحمل فوق رؤوسنا جبالا من الهم والغم، وأننا قد طُوقنا بأمراس غلاظ قاسية حول أعناقنا فتكاد تخنقنا، ويزداد ألمنا عندما نجد أن هذه المعاناة ملازمة لنا، أينما حللنا حلت معنا وصاحبتنا كارهين رفقتها، ولكن لا قدرة لنا من الخلاص منها، ومن السوء أن تصاحب من وددت مفارقته.

ومن طبيعة الحياة أن المعاناة أمر لازم لها، فقد كتب على ابن آدم حظه من الكد والنصب، تحقيقا لسنته –سبحانه- أن حياة هذا المخلوق هي سلسلة من التعب والمعاناة «لقد خلقنا الإنسان في كبد» فالمشقة والشدة لا يسلم منها إنسان، ومن أراد أن يعيش بلا معاناة فهو أراد لنفسه الموت لا الحياة.

المعاناة على ثقلها وشدتها فإن فيها منفذا يخفف من وطأتها ولوائها، فهناك منفذ الصبر والتحمل فهو يخفف من ألمها، وهناك من الرضا ما يدفع ضيمها، فالمعاناة لا يخلو منها إنسان فإن لم نتعلم كيف نتعامل معها، وكيف نتغلب عليها وإلا عشنا حياتنا في شقاء وبؤس.

المعاناة مع ألمها إلا إنها في جانب آخر تبني الإنسان، فتجعله أقدر على العطاء، وعلى تحمل مصاعب الحياة المستقبلية، فهي تصقل الإنسان حتى تبدو له الشدائد وكأنها أمر طبعي فقد تمرس عليها وعلم أن الحياة لا تخلو من ذلك، ففي قلب المعاناة تبرز العطايا.

ولعل المعاناة الفكرية هي أشد وطأة من المعاناة الجسدية، فالمعاناة الجسدية يمكن التخلص منها براحة الجسد، ولكن معاناة الفكر لا يمكن التخلص منها إلا بجهد علمي وفكري مضني، فالأفكار قد تأتي للإنسان لا يعرف لها خطاما ولا زماما فترهقه وتصيبه بالشتات والحيرة، فلا ينام ليله ولا يهدأ في نهاره.

وكون المعاناة أمرا لازما فلا يعني هذا عدم السعي للتخلص منها، وتحقيق السعادة، فالمعاناة إن بقيت مع الإنسان فهي ستفقده متعة الحياة ولذتها، وتمنعه من الانطلاق لتحقيق أحلامه، وسيعيش ضائق الصدر، قلق النفس، لا يهنأ له بال.

مبارك بقنة

مبارك عامر بقنه، باحثٌ في القضايا الشرعية والفكرية، نائب رئيس مجلس الإدارة في جمعية التنمية الأسرية في خميس مشيط، مؤلف ومترجم لعدة كتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق