برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مسبار

تصفيرة «رابح» الأويسيسية

اجتذبت تصفيرة الفنان رابح صقر التطريبية أثناء تقديمه حفلة غنائية ضمن فعاليات «الرياض أويسس» اهتماما وجدلا من قبل فئات متعددة من أفراد المجتمع السعودي، تراوح ما بين مقارنة التصفيرة موسيقيا مقابل القيمة المالية لحضور الحفلة من جانب، وعدم قدرة أو اقتناع الكثير دفع ذلك المبلغ لحضور تلك الفعاليات الغنائية المخملية في عرض الصحراء الباردة من جانب آخر.

شخصيا، استمتعت بالنقاش والتعليقات المنتقدة والمؤيدة التي ظهرت على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، من باب الترويح عن النفس واسترجاع انطباعاتي الشخصية الماضية عن التصفير من فترة المراهقة، وما تلاها، وكذلك تسجيل رصد لردود الأفعال المستجدة من قبل بعض أفراد المجتمع على الأحداث المصاحبة للفعاليات الترفيهية ولو من خلال وصلة تصفير أو مكاء.

لطالما ارتبط الصفير أو التصفير للتعبير عن حالة مزاجية معينة، سواء تطريبية كالتي أطلقها «رابح» في صحراء الرياض، وكأنه يرسل رسالة مفادها ما دام مجلسنا الغنائي تحتضنه رمال وسماء الصحراء دعونا نعود لبساطتنا ونعبر عن سعادتنا من دون كلمات أو آلات موسيقية، وإنما من خلال تصفيرة مدوزنة.

وقد ترتفع حدة التصفير للتعبير عن حالة الفرح العارم بحيث لا يكتفى مطلق التصفيرة بتكوير شفتيه / ها، وإطلاق الهواء المصحوب بالصفير وإنما يقوم بإدخال إصبعين أو أربعة في فمه لرفع حدة التصفيرة، وتغيير نغمتها وكأنه في تلك الحالة كمن وظف أصابعه لتلحينها صعودا وهبوطا.

وغالبا ما يمارس هذا التصفير على مدرجات كرة القدم ومن قبل بعض حضور الحفلات الغنائية، الذي يأتي للتصفير ولفت النظر لا الاستماع، وهذا مطلوب عندما تفقد الحفلة حسها الابتهاجي «النقازي» المقصود، ويشعر الحضور بتسلل وقع الرتابة إلى الحفلة، وبما أننا ما زلنا نعاني تبعات جائحة كورونا، ينصح بشدة التوقف كليا عن هذا التصفير لما يرافقه من نشر تيارات هوائية وكتل رذاذية – لعابية، لربما تشوش على تطبيق توكلنا، الذي نحن في أمس الحاجة إليه الآن.

أما التصفير الذي يقع في باب الغزل والتقرب والتلطف «المتميلح» وجذب انتباه الآخر فهو باب واسع يصعب حصره وفهم واستيعاب تداعياته السلبية والإيجابية إلا لربما بالاستعانة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي الخاصة بقراءة وتحليل تعابير الوجوه البشرية، وما تصدره من أصوات وحركات، لأنه مرات يحتوي فقط على تصفير يتلبس رداء الرومانسية وبصوت خفيض فقط وأحايين أخرى يأتي متبوعا برمشة عين موجهة للطرف الآخر تنتظر استجابته.

في الغالب هذه الاستجابة تكون مفتوحة على كل الاحتمالات السعيدة أو المحزنة أو التشهيرية تبعا طبعا لمكان وتوقيت وقابلية المتلقي لهذا التقرب التصفيري بالقبول أو الرفض.

عموما، ما سردته آنفا كان لانطباعات ومشاهدات شخصية مضى عليها عقدان من الزمن تقريبا أو أكثر، حيث اقتصر التصفير في المناسبات العامة غالبا على الأولاد والمراهقين وممتهني «الوناسة» وفي نطاق ضيق جدا في الأسواق لانعدم المناسبات الترفيهية المختلطة في ذلك الوقت إلا عند السفر إلى الخارج.

أما الآن وبنظرة سريعة على أوجه التغييرات الكبيرة والسريعة التي يشهدها المجتمع السعودي، سواء على المستوى الاقتصادي أم الثقافي أم الاجتماعي أم الترفيهي، وما يرافقه من تغيير في أنماط الحياة والعمل وكذلك أساليب التواصل ما بين أفراده من كلا الجنسين، يتساءل الفرد: هل ما زال التصفير يحمل الوظيفة التعبيرية السابقة؟ بالطبع لا -لاحظ تصفيرة رابح الأويسيسية- هل بقي منتشرا عموما فقط ما بين الأولاد والرجال إلى الآن؟ أشك في ذلك كثيرا لأنه لو كانت الحالة كذلك لتنادت بعض منظمات حقوق المرأة العالمية ومناصروها محليا بإطلاق حملة «اسمحوا للمرأة السعودية بالتصفير»

لربما تطرح تلك التساؤلات على سبيل الدعابة، ولكنها تحمل في طياتها تغييرات كبيرة في المفاهيم وسبل التواصل، فالجيل الحالي لا يحتاج للتصفير بنسخته القديمة لتجاوز حواجز التواصل والالتقاء مع بعض وإنما استبدلها بنسخة رقمية بالتصفير والرمش والغزل الإلكتروني من خلال انغماسه في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.

تلك التغييرات الجذرية والمتسارعة بدأت انعكاساتها الإيجابية والسلبية تتسلل إلى منظومة العلاقات الاجتماعية بكل صورها، وخروجها من نسق المحافظة والتقليدية إلى فضاء الانفتاح والتجديد وحرية والتعبير والتصرف من قبل الشباب أو الفتيات وممن هم أكبر سنا.

فهل يا ترى أطرنا العائلية والاجتماعية وقيمنا وعاداتنا الحالية قادرة على استيعاب هذا الموج من التغير؟ نعم قادرة لأن مجتمعنا شبيه بالمجتمعات الأخرى التي تمر بنفس المؤثرات العالمية الأخرى وتتعايش معها، ولربما التعاطي العاقل مع تلك التغييرات يبدأ من محيط العائلة بزيادة جرعة الحوارات الشفافة والصريحة مع الأبناء وعلى المستوى الاجتماعي والأكاديمي بتكثيف الدراسات والبحوث التي تقوم بها كليات الإنسانيات والدراسات الاجتماعية ونشر توصياتها وتبسيطها في وسائل الإعلام الإلكترونية المختلفة، لأن الجيل السعودي الحالي من أكبر الشرائح الشبابية استخداما لوسائل التواصل في العالم العربي وفي مراكز متقدمة جدا عالميا.

وليد الهلال

وليد يوسف الهلال مستشار علاقات عامة في فريق مدير عام الشؤون العامة بأرامكو السعودية، وعمل سابقا مديرا لقسم النشر بالوكالة ورئيس تحرير جريدة القافلة الأسبوعية، وأسس أقسام العلاقات العامة في شركات ارامكو في آسيا. خريج جامعة الملك فيصل السعودية، كاتب رأي.

‫2 تعليقات

  1. أعجبني المقال لاسيما و انكم غطيتم تاريخ التصفير و ربطتها بقيمتها امسا و غدا ماشاء الله استاذ وليد وجدت متعة و ان اتجول بين سطور كلماتك

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق