برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

بين نمطين من التديّن

تلقيت مجموعة من التعقيبات على مقالتي المنشورة الأسبوع الماضي في هذه المساحة بعنوان «تديّن جديد» ويبدو أن تلك التعقيبات من عددها ومضمونها تكشف عن الدخول لمنطقة تشكل همّا حاضرا. فمظاهر التخلّي عن نمط سائد للتدين وتبلور أنماط جديدة بات واضحا ومحل اهتمام المنخرطين في النمط الجديد والمعارضين له.

مجمل التعقيبات المؤيدة لما ورد في المقالة السابقة، تعكس الرغبة في الاعتراف بهم كمتدينين لا يحق لأحد نبذهم خارج سياج الدين، أو التعامل معهم، بوصفهم لا يمثلون الدين، بينما المعارضون، كانت مجمل تعليقاتهم أن هذا النمط من التديّن مفرغٌ من محتواه، ويقوم على منطق الخضوع للأهواء وإملاءات غير دينية، ويذهب بعضهم إلى أن منطق القبول بهذا النمط يشرّع الأبواب لارتكاب الموبقات تحت عنوان القبول بتديّن مواكب للمعيش اليومي.

في هذه المساحة، لن أدافع عن حقانية نمط تديّن ضد آخر، وسأكتفي فقط بالتمييز بين سياقين رئيسيين تتبلور من خلالهما أنماط التدين، السياق الأول هو النمط المؤسساتي للدين، أي ذلك النمط الذي تتبناه المنابر ومجاميع الدعاة وحلقات الدروس، وهو نمط يتوارث ويتدارس بشكل مستمر مع إضافات طفيفة، وينتشر في المجتمع على شكل مسلمات، والثاني، التدين الذي ينشأ من الأسفل، أي في المجتمع من خلال بعض الممارسات التي يختلط فيها التقليد الديني بمتطلبات المعيش اليومي، أو بأدوات التكنولوجيا الحديثة، أو بمخرجات الكشوف العلمية الجديدة، أو حتى بالمعتقدات والمجربات الشعبية، وتنتظم تدريجيا في نمط لا مؤسساتي لكنه قد ينتشر على نطاق واسع.

يمكن النظر إلى هذين النمطين بوصفهما وقائع قائمة، أي أن المؤسسات الدينية شرط تاريخي لحضور الدين في المجتمع، ولا يمكن أن يكون هناك دين، دون وجود مؤسسات تعنى بتدريس تعاليمه والاشتغال بإنتاج معارفه، ومن جهة أخرى، لا يمكن تغافل الإنتاج الاجتماعي لأنماط التدين، لأن المجتمع في ديناميكيته تتفاعل مخزوناته الروحية مع موروثاته الاجتماعية ومع كل المعطيات المستجدة فيه، وهذا المجتمع لا يمكن أن يكون حاضنة سالبة، بل من الطبيعي أن يتفاعل مع التدين الذي تنتجه المؤسسة ولكن على نحو لا يتنافر مع طبيعة تكوينه.

هذا التجاور الإلزامي بين هذين النمطين يقود إلى استحالة إقصاء احدهما، وإلى ضرورة التكامل بينهما. فالتدين الذي ينشأ في المجتمع، وخصوصا ذلك الناجم من التفاعل مع الضرورات الموضوعية، يمكن اعتباره مقترحات عملية توضع أمام المؤسسات الدينية، لتعيد النظر في بعض آرائها والبحث في إمكان دراستها ضمن ثنائيات الثابت والمتحوّل، والجوهري والعرضي، والقبول ضمن ضوابط معينة، دون أن يعني ذلك بالضرورة حمل المؤسسة على التنازل الدائم.

يخبرنا التاريخ بأن المواجهة التي تقوم على إقصاء كل مظهر لا ينسجم مع التدين السائد لم تكن مجدية، بل ربما كانت تكلفتها الاجتماعية باهظة، وسأكتفي هنا بمثال واحد، وهو الأعمال الفنية الغنائية التي كان موقف التدين السائد منها واضحا، وكانت هناك محاولات لمنعه تصل إلى حد استخدام القوة، ولكن تلك الأعمال استمرت واستمر جمهورها دون أن يتخلوا عن فروضهم الدينية.

ليس مطلوبا هنا تغيير الحكم الذي يقتنع به العلماء حول الغناء، ولكن، هل يمكن بيان ذلك الحكم دون الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك لإجبار المجتمع على ترك الغناء؟ والله من وراء القصد.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق