برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
تحولات

إيمان العجائز

لم تكن جدتي تحفظ إلا شيئا يسيرا من القرآن تتم بها أركان الصلاة، ولم تكن تعرف الكثير من الفتاوى وتفاصيلها، ولم تكن على قدر كبير من الثقافة الدينية، وكانت تستنكر أي شبهة أو التباس باستغفار مصحوب بشعور التعظيم والتبجيل لله المنزه عن أخطاء البشر، كان قلبها يعرف تماما بدلالته العفوية، أن الله هو الخالق الأحد المدبر بلا شك أو ظن، وهو التدين الفطري المبني على اليقين والاطمئنان، وهو عقيدة سهلة لا تعقيد فيها ولا غموض ولا جدل.

وعندما ترددت على مسامعي وفي قراءاتي كثيرا مقولة «اللهم ارزقني إيمانا كإيمان العجائز» خاصة في الفترة التي ضج العالم فيها بالتقلبات الدينية والموجات الإلحادية، تذكرت كيف أن أكثر من يعلق بذلك الكبار في السن، الذين بلغوا في الدنيا ما بلغوا من أمور الدين والدنيا، مثل تلقي الشبهات مختلفة المصادر أو الأفكار المربكة عقائديا والتيارات الفلسفية التي قد يمتد أثرها في النفس والتفكير والقرار والتوجهات، إلا أن بساطة التوحيد كانت تملأ قلوبهم بعمق وعلى غرار ما قيل في تفسير هذه العبارة من البعض أو يلمزون فيها، إلى أنه إيمان الضعفاء العاجزين، إنما هي فوق الفرضيات الفلسفية فقوة الروح والجسد أقوى يقينا من كل شيء.

فروح المؤمن العجوز هنا قد وصلت إلى حقائق إيمانية وجودية بعقلها المجرد، ثم أسست عليها يقينا صادقا خاليا من التشتيت الكلامي المعقد والنظريات البشرية، حيث قال الحكيم بن الهمام «إيمان العجائز خير من ضلالات الفلسفة، فالعقل للاهتداء وليس للاعتداء»

ولا أرى أن هذا الإيمان فيه عجز أو ضعف أو قلة حيلة، بقدر ما هو سلام وأمان واطمئنان وتعلق محتشم حافظ للكرامة الإنسانية في أبهى صورها، مع الخالق عز وجل.

كيف يكون الإنسان مؤمنا متكبرا قويا ضد خالقه ويتحداه بعقله الذي ميزه به، ولو سلب منه عقله وعافيته لأصبح تائها ضعيفا متأرجحا يبحث عن أدلة خفية يناقض بها الموجود والمجرد والواضح، فقد وقف أشهر الملحدين وأكثرهم شرسا «أنتوني فلو» حائرا بسبب الدهشة في شريط «الدي إن أي» وغيره من الاكتشافات العلمية ليقتنع بأن هناك مصمما عظيما وذكيا، وقاده ذلك للتشكيك في إلحاده ليتراجع في النهاية قبل موته، وينهي رحلته العقلية والإيمانية بكتاب «هناك إله».

شفاء العقيل

شفاء عبدالرحمن العقيل تحمل الاجازة الاكاديمية في اللغة انجليزية

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق