برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسات

إلى أمي «الأحساء»

عندما كان الطريق البري السريع يتوقف عند قدميها، والوصول كان حضنها الدافئ بعبق الطيب والعود والبخور، والافتتان هو الذهول الطفولي أمام بريق الياقوتة الحمراء بسبابتها اليمنى وقصص العشق هي احتراق قلب زليخة شوقا ليوسف بصوتها العميق العذب، كانت الأحساء أمي.

وعندما كان اسم الواحة هو النخلات الباسقات التي تسور قلبه والخير هو ثمار الليمون والرمان والأترج والرطب الذي يقطفه لنا بيديه، والسكينة هي الجلوس معه تحت ظلال السدرة الكبيرة في أعلى التل ساعة المغيب، والحب هو إلحاحه علي أن أبقى كلما هممت بالرحيل، كانت الأحساء أبي.

لكنها لم تعد كذلك منذ أغمض جدي عينيه الرماديتين الجميلتين للمرة الأخيرة وإلى الأبد.

قبل أيام عدت لها بدور السائح الفضولي الذي يحاول التعرف على صديق قديم مجددا، أتجول بين معالمها وآثارها ونخيلها وعيونها، أصحب أطفالي لقلب المغارة الساحرة التي دخلتها طفلةً قبل ثلاثة عقود، أشتري معمول البخور المعجون بأيدي حساوية وبكل حب، أغرق في سحابته الزكية وأجدني هناك مستلقية فوق سجادة أمي فاطمة، أمشي بمحاذاة النهر العظيم الذي يشق الطريق الزراعي فأسمع طرق عصا جدي يدك الأرض وصوته الشجي ينادي «يا معين» نتناول الطعام في المقاهي الشعبية، فأعود ذات الطفلة التي تقفز حتى ترى ماذا تحوي القدور على الموقد، كل التفاصيل كانت حية حميمة ودافئة، كل التفاصيل جميلة زاهية وحنونة.

لا غرابة إذن أن تكون الأحساء عاصمة السياحة العربية وأن تنضم لقائمة التراث الإنساني العالمي، فهي لم تنجح في إعادة إحياء التراث ولم تحاول إعادة إنتاجه، لأنه لا يزال حيا ممتدا متواترا أصيلا لم يغب، ينبض في طيبة قلب إنسانها، يتجدد في كرمه وسماحة محياه، يتدفق من مياه عيونها التي تغسل الروح قبل البدن، ويصاغ بحلته المحفوظة العريقة على طاولات الحرفيين وفي مشالح «المخايطة» ومحاصن التمر وقوارير الدبس المصفى.

عدت منها قريرة العين مسرورة الخاطر كالعائد من حضن أمه لأنها لطالما كانت أمي، أنا فقط من نسيت ذلك.

سلمى بوخمسين

سلمى عبد الحميد بوخمسين , مخرجة مسرح , قاصة , سينارست , كاتبة رأي في عدة صحف محلية منذ عام 2016 و حتى الآن منها الشرق و اليوم و القافلة . نشرت مجموعة قصصية عام 2018 بعنوان على سرر, كما كتبت عدد من النصوص المسرحية , واخرجت مجموعة من المسرحيات و العروض الفنية و مسرح الظل نال بعضها على عدد من الجوائز .

‫3 تعليقات

  1. هنئياً لك بهذه الأم فهي تستحق هذا الوصف
    جعلك الله بارك بها

  2. مقال رائع ،، توشح بالذكريات التي بعضها جمل ورائع ،،وفي بعضها معنى الفقد وغياب الاحبه
    بوركت عزيزتي ودمتي بخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق