برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
وقفات

لا علاقة للتوراة بجزيرة العرب

علّمنا القرآن الكريم قصة النبي موسى -عليه السلام- مع قومه «بني إسرائيل» في مواضع كثيرة، وشخّص حالهم، ومن ذلك تمردهم حين طلب -عليه السلام- منهم أن يذبحوا بقرة بأمر الله تعالى.

فتشدّدوا في طلب وصفها كعادتهم وتغابوا لعدم رغبتهم في التنفيذ ولم يذبحوها، حتى تم تحديد وصفها بتفاصيل دقيقة بعد أن قالوا «إن البقر تشابه علينا»

فقصة هذه البقرة لم تحدث على عهد بلقيس بنت الهدهاد ملكة سبأ التي كانت مملكتها على عهد نبي الله سليمان أي في «ق 10 ق.م» كما ادعى بعض المتأولين قديما وحديثا، استنادا على التوراة المحرفة، بل كانت القصة على عهد موسى الذي كان عهده سابقا لعهد سليمان عليهما السلام.

وبلقيس وشعبها جاء طائر الهدهد بخبرهم لنبي الله سليمان -عليه السلام- حيث وجدهم يسجدون للشمس من دون الله هناك بأرض «يَمَنَات» وفي مملكة سبأ تحديدا وليس اليمن، فاليمن ككيان سياسي تسمى بعد ذلك بكثير.

وجاء القرآن الكريم مصدقا ذلك «وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله» وأما ما نشره موقع «التوراة الحجازية» التويتري بتغريداته بشأن ذلك، فهذا موقع غير موثوق وينشر تلفيقات متواترة، ويدعو إلى أن التوراة موطنها الأساس جزيرة العرب وخصوصا جنوب غرب السعودية حاليا «السراة وتهامة» مقتديا بادعاء اللبناني الأمريكي الجنسية المسيحي كمال سليمان صليبي «ت: 2011م» بعد اطلاعه على المعجم الجغرافي لبلاد السعودية للعلامة حمد الجاسر، فقارن مسميات قرى وأماكن في السراة وتهامة بجنوب غرب السعودية، في عصرنا الحاضر وردت في المعجم المذكور بألفاظ مشابهة أو مقاربة نسبيا لما في اللغة العبرية القديمة، فادعى أن التوراة منبعها جزيرة العرب، غاضا طرفه عن أن العربية والآرامية «العبرية» منشأهما سامٍ وبينهما ألفاظ مشتركة، فأنزل حكمه المتأوِّل هذا على أن منشأ التوراة في هذه الأماكن من جزيرة العرب.

وقد تكفل فريق علمي سعودي شارك فيه «حمد الجاسر» ومحمد عبدالله الحميّد رئيس نادي أبها الأدبي الأسبق، بالرد على افتراءات كمال صليبي في كتاب نشره نادي أبها الأدبي في حينه.

ومما يؤسف له، فهناك من لا زال يتبنى ذلك القول المليء بالدس من «بعض أبناء الوطن» من الناقلين عن هذه التوراة المحرفة والمصادر التي يُشَك في صدقيتها ومن غير يقين علمي.

وهناك فاضل الربيعي عراقي مقيم في السويد وكاتب سعودي يكتب في صحيفة عكاظ السعودية ويوسف زيدان الروائي المصري يدّعِي ثلاثتهم أن المسجد الأقصى «قبلة المسلمين الأولى مثلا» ليس في فلسطين، وخصوصا الثاني، متفقا مع زيدان الذي ادعى أن المسجد الأقصى في «الجعرانة» بين مكة المكرمة والطائف، متجاهلين تفسير المفسرين لأول آية من سورة الإسراء «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير» وما دوّنه الواقدي عن أقصى جعرانة.

وما عَرفا أن من بنى المسجد الأقصى هو آدم -عليه السلام- بعد أربعين سنة من بنائه للبيت الحرام بمكة المكرمة، وجدّده في مكانه الحالي الخليفتان عبدالملك بن مروان وابنه من بعده الوليد بن عبدالملك.

وكذلك يقول أحد أبناء الوطن أيضا في كتاب له أن مسمى «عِجْل» ولد البقرة، لا يوجد هذا الاسم إلا في لهجة أهل مركز حَلِي، بمحافظة القنفدة وما حولها، متأثرا برواية هذه التوراة المحرفة متجاهلا أن اللهجة الحجازية والتهامية تحديدا من شمالها حتى جنوبها مليئة بهذا المسمى، وأن العجل قد جاء ذكره في القرآن الكريم وبلغة قريش التهامية 10 مرات.

ومن ذلك أيضا قصة الملائكة، رسل رب العالمين، الذين استضافهم نبي الله إبراهيم -عليه السلام- وقد جاءوا لعقاب قوم النبي لوط -عليه السلام- قال تعالى «ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ» فهل كان إبراهيم -عليه السلام- في حَلِي أو في جنوب غرب جزيرة العرب حينذاك؟

وادعاؤه متأثرا بسلفه ابن المجاور النيسابوري: بأن مسمى «حَلِي» جاء اشتقاقا من «الحُلِي» بقايا العجل الذهبي الذي صنعه السامري لقوم موسى لعبادته من دون الله في غيبة موسى -عليه السلام- عنهم وبحضور شقيقه هارون -عليه السلام- الذي نصحهم ولم يستمعوا له.

ومثل ذلك ما روّجه موقع التوراة الحجازية -سالف الذكر- من أن البقرة الصفراء لا توجد في أرض فلسطين على عهد موسى -عليه السلام- وقومه وأنها لا توجد إلا في وادي البَرْدَان بِبَقْرة أحد روافد وادي حَلِي بمحافظة بَارِق بمنطقة عسير.

فهلا توقفت هذه الآراء المتهافتة مبنى ومعنى لاعتمادها مرجعا مُحرفا، مع الإيمان التام بجميع الكتب المقدسة الصحيحة؟.

غازي الفقيه

غازي أحمد الفقيه كاتب ومؤرخ، نشر في عدة صحف ورقية وإلكترونية ماجستير تاريخ حديث ومعاصر له كتابان مطبوعان: * تاريخ القدس الشريف من 1917 _ 1948 * القوز تاريخ المكان وسيرة الإنسان.. دراسة تاريخية اجتماعية حضارية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق