برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
رأي أعمق

قصة موقفين

عملت معه حوالي سنتين، لا أتذكره إلا بموقفين، الأول حين لامني على اللا شيء سوى جنسيتي، وكان في منتهى الحماسة حين أعلن التحدي بقوله «أعطني هويتك الوطنية وانظر ماذا سأصنع بها» كان قد تجاوز الخمسين من عمره حينها، وكنت في السادسة والعشرين أو أقل، وكان -إضافة لوظيفتي الصباحية- لدي مشروع صغير أقف عليه بعد ساعات الدوام.

أما الموقف الثاني فلم يكن مباشرا معي، ولم تكن قصته تخصني أبدا، فقد كان يحكي عن ماكينات تدفع المياه بقوة شديدة وتتحكم فيها، حتى تجعلها قاطعة كمنشار حاد، كان ذلك أمرا مبتكرا لكن ليس بالقدر الذي يجعله يؤدي أداء مسرحيا وينتصب واقفا من مكانه ليحكي كما لو كان يحكي لجمهور كبير في مكتبنا الضيق.

شعرت حينها أن ما دفعه للحديث ليس الموضوع نفسه بل رغبته في الحديث بذلك الشكل، ويبدو أنه كان يفتقد لصحبة تستمتع بحكاياته في ذلك الأوان، أما فيما يخص ما كان يجمعنا وزميلنا الثالث الذي كان يعامله بتعالٍ لأنه من إقليم جنوبي فقير في نفس البلاد، أقول أما بخصوص العمل الذي كان يجمعنا فلم يوجد ما يستحق الذكر بل أكاد أقول فلم يوجد شيء على حد ما تسعفني به ذاكرتي.

قابلته بعد بضع سنوات وقد ترك الشيبَ بلا صباغ، ولا يبدو عليه أنه أقنع أحدا بما كان سيصنعه بالهوية الوطنية، أو أنه لم ينجح في الإيفاء بما وعد به صاحب الهوية من أحلام بمال سهل، وما زال على نفس حاله.

ريان قرنبيش

ريان أحمد قرنبيش، متخصص في الأدب الإنجليزي، كاتب رأي في عدد من الصحف، مهتم في الشأن الاقتصادي والاجتماعي، له مؤلف تحت النشر.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق