برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

المتسولون الجدد

ليس حديثي هنا التسوّل الذي عرفته كل المجتمعات عبر التاريخ، الذي تسعى المجتمعات الحديثة إلى احتوائه عبر مأسسة مكافحته ومعالجة أسبابه من خلال برامج الرعاية الاجتماعية، والعمل الخيري، والتضامن الأهلي، لكبح تلك الظاهرة، وما يرتبط بها من هدر للقيمة الإنسانية للمتسوّل، وما قد يتفرع منها من تهديد لأمن المجتمع، ذاك الصنف من التسوّل واضح المظاهر، والتقنيات، وطرق الممارسة، وحتى خطاب التسوّل واضح في التواصل مع الآخرين، ولذلك، معالجة التسوّل «تمأسست» بوضوح، لتضع أطرا ملائمة لتلك الظاهرة.

التسوّل الجديد، مختلف تماما، فالمتسوّلون الجدد قد تكون مظاهرهم برّاقة من حيث الاعتناء بملابسهم وإكسسواراتهم ومظاهر حياتهم الباذخة، بل قد يبالغون في تلك المظاهر كعوامل جذب لمن يمدّ لهم المعونة، هؤلاء المتسوّلون ينشطون في وسائل التواصل الاجتماعي، ويستعرضون حياتهم من أجل توسيع قاعدة متابعيهم، ومن ثم يقومون باستغلال كثرة متابعيهم للترويج ولعمل إعلانات تجارية.

القيام بالإعلانات التجارية والترويج، ليس ممارسة مستهجنة، بل هي وسيلة مشروعة، لكن الوسيلة للوصول إلى التأثير اللازم لعمل الإعلانات، هو الذي يجعل بعض المؤثرين متسوّلين في الواقع، فنظرا لعدم وجود محتوى يميّز بعضهم، يلجأ البعض منهم إلى تحويل أجسادهم إلى معارض، ويتحول الجسد إلى أداة تنافسية في السباق على حصد المتابعين.

لا يتوقف إقحام الجسد على تقنيات بعض المتسولين، ولكن يمتد ليشمل خصوصياتهم، كاستعراض حياتهم الشخصية وعلاقاتهم بأزواجهم والأبناء، حتى الأطفال الذين لا يمتلكون قرارهم، وقد تابعنا مؤخرا ملاحقة الجهات الرسمية لإحدى الشخصيات التي عرضت طفلها في مشهد يقلل من احترامه، ويتضح أنه كان يقاوم الفعل.

تتعدد تقنيات كسب رأس المال الاجتماعي القابل للتحويل إلى رأس مال مادي، فإلى جانب تقنيات الجسد، هناك من يقوم بانتهاج التفاهة تحت غطاء الكوميديا، ودون أي ضوابط، بحكم انتفاء سلطة الرقابة والنشر، فنجده لا يتورّع عن التهكم بفئات أو مناطق أو لهجات معينة، في محتوى تقبله ذائقة موجودة أصلا، ووفّر مثل هؤلاء منتجات لها، ليبقى الطلب على هذه التجاوزات الاجتماعية.

يتمايز هذا التسوّل عن التسوّل المألوف في أنه ينتشر كنمط حياة، فهو لا يحظى بالنبذ الاجتماعي لأنه ينفذ بنعومة وفي صورة ممارسيه الذين اكتسبوا صفة المشاهير، ويحظون بـ«برستيج» يمكّنهم من اكتساب صفة وجهاء المجتمع الافتراضي، مع أنهم خلاف الوجهاء التقليديين في المجتمعات التقليدية، يجنون أموالهم بالاستفادة من كثرة متابعيهم.

هذا الحضور والظهور المغري بالشهرة، يحفّز من يمتلك جهازا ذكيا أن يكون مشروع مشهور وثري، وهذا ما ينبئ عن تكاثر غير مسبوق لفيالق من متسوّلي المتابعين في فضاءات التواصل الاجتماعي، بأي طريقة كانت، ولو على حساب الكرامة والخصوصية وبراءة الأطفال، فالغاية -عندهم- تبرر الوسيلة، ويا لها مِن وسائل.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق