برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بدون سكر

القرَّاء المعتوهون

برأيي أنَّ الجاحظ لم يحسن الوصف حين نُقل عنه قوله «الكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك وشحن طباعك وبسط لسانك وجوَّد بنانك وفخَّم ألفاظك، وعرفت به في شهر ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، والكتاب يُطيعك بالليل كطاعته بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته في الحضر، ولا يعتلُّ بنوم ولا يعتريه كلال السفر»

ومورد الإشكال على هذا الوصف أنَّ الكتاب مثلما هو سبب في التكامل العلمي والثقافي وكذا الأخلاقي، فهو أيضا في بعض الأحيان سبب في التسافل إلى درجات أدنى بكثير من درجات الأمية والتخلف، ومثلما يَفترض البعض أن الثناء على القُرَّاء فرض عين عليهم لأنهم بذلوا جهودهم في الارتقاء بأنفسهم وبالمجتمع، فإنني أتصور أن نسبة قد لا تكون قليلة من الكتب قادرة على جعل القرَّاء في درجات متدنية علميا وثقافيا، بحيث تحولهم إلى معاول هدمٍ اجتماعي وأخلاقي عوضا من أن يكونوا دعاة خلق ووعي.

قِيل «من يقرأ يعش أكثر من حياة» هذا لأن القراءة تمنح صاحبها علما ربما اكتسبه آخرون في سنين طويلة من حياتهم، واكتسبه هذا القارئ في بضعة أيام، في هذا السياق تقول القاعدة المنطقية «النتائج تتبع أخس المقدمات» يعني ذلك أنَّ كتابا مليئا بالمغالطات المنطقية سيمنح قارئه الكثير من أسباب الرجوع إلى الخلف، هذا هو الحال في الاقتصاد وكتب الإدارة، في التاريخ، في الدين والفلسفة وغيرها من العلوم.

عند هذه النقطة ينبغي القول «إنَّ القراءة التي ترتقي بالإنسان هي قراءة الكتب التي كتبها العلماء الحقيقيون، الأشخاص المتسالم على حياديتهم غير المؤدلجين في اتجاهات تجعلهم منشغلين برمي المختلف بما ليس فيه، هؤلاء هم الذين إنْ كتبوا انصفوا وإنْ شرحوا منحوا لغيرهم ما يستحق أنْ يُفهم، أما المتطفلون على العلوم من تجار الحبر والورق وحتى الإعلام فصمتهم بالتأكيد أجدى وأنفع»

أن يتزين مجلس البيت بمكتبة، وصالته برفوف من الكتب، ومذياع البيت وجهاز التلفزيون فيه بالبرامج الثقافية، كل تلك لا تمنح ولن تمنح صاحبها علما ولا ثقافة بالضرورة، نعم كتاب نافع خير من مكتبة ممتلئة بما لا نفع فيه من كتب المتطفلين على العلم، وحالما نتحدث عن الأمية بصفتها موردا للتخلف، فينبغي دائما أن نضيف نسبة من القُرَّاء الذين ما انفكوا يقرأون كتبا تجعلهم أدنى من الأميين علما ومعرفة، هذا لأنهم قرأوا غثاء فرجعوا إلى الوراء وبالاتجاه السالب في خط الأعداد، فيما لم يقرأ أُمِّيُّ الثقافة شيئا فبقي كما هو عند نقطة الصفر، والصفر أكثر قدرا وأجل قيمة من السالب.

سراج أبو السعود

سراج علي أبو السعود , حاصل على الاجازة من جامعة الملك سعود في تخصص البحوث والعمليات (الأساليب الكمية)، مارس الكتابة الصحفية على مدى 20 عاماً في عدد من الصحف السعودية .

تعليق واحد

  1. اوافقك استاذ سراج بالفعل يجب ان نعي و نتفحص مانقرا
    عجبتني المقولة ” من يقرأ يعيش أكثر من حياة ” النقد البناء مطلوب و يجب ان تفتح له الابواب .. مشاركة جميلة جدا فالصفر اعلى قيمة من السالب

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق