برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
أضواء

أبكاني العراق

زيارتي الأخيرة للعراق جاءت بعد حوالي خمسين سنة من الزيارة الأولى والوحيدة التي كنت حينها يافعاً، ومع كامل أفراد أسرتي وثلة من أهالي بلدتنا لزيارة الأماكن المقدسة في مختلف مدن العراق، كانت تلك الزيارة التي لا تنسى تشكل نقلة كبيرة لطفل انتقل من بلدة زراعية صغيرة وبيئة تقليدية محافظة إلى عالم من الحركة والتنوع والثقافة والتنظيم، ولا تزال الذاكرة – وإن شاخت – تحتفظ بصور جميلة لمعالم شامخة وشخصيات بارزة وحراك اجتماعي وثقافي ثري.

ظروف الدراسة والتنقل والأوضاع التي مر بها العراق حرمتني طوال هذه العقود من مواصلة الزيارات على الرغم من تشكل شبكة واسعة من العلاقات مع شخصيات عراقية من أطياف مختلفة كانت دوماً محل احترام وتقدير لدورها الوطني ونضجها الفكري.

في زيارتي الأخيرة للمشاركة في مؤتمر ببغداد نظمه مركز الرافدين للحوار والذي شارك فيه مئات الشخصيات العراقية والعربية والأجنبية، أتيحت لي الفرصة للتعرف عن قرب على الشأن العراقي من خلال الحديث مع بعض من التقيت بهم بمعرفة سابقة أو تعرفت عليهم وكذلك زيارة أبرز المدن العراقية كالنجف الأشرف وكربلاء وسامراء.

على صعيد النخب السياسية، يتفق أكثرهم على أن المشاكل الجذرية التي يواجهها العراق هي نتاج عوامل ثلاث: التدخل الأجنبي الذي فجّر الأوضاع الداخلية، الصراعات المستمرة بين القوى السياسية المختلفة، وتراكم حالات الفساد الكبير بأشكاله المختلفة، فالعراق أصبح بلداً منهكاً من الحروب المتتالية التي مر بها، وجعلت العراقيين يعانون الأمرين للحصول على أبسط الخدمات الأساسية اللازمة وعطلت الطرق السريعة ووسائل المواصلات المختلفة بحيث تحتاج إلى ضعف الوقت لقطع مسافة معينة.

كما أن غياب الدولة وضعف مؤسساتها النظامية أنتج فراغاً كبيراً تحاول مختلف الفئات والجماعات أن تسدّه وتكوّن البديل لذلك، وينعكس هذا الفراغ والغياب لمؤسسات الدولة في مختلف الخدمات وبالخصوص في المجال الأمني حيث تزداد “المفارز” و”نقاط” التفتيش،  كما أن حالة التسيب وعدم الانضباط هي السائدة بشكل عام حتى في حركة السير والمرور.

العراق الذي كان منارة الفكر والثقافة طوال عمره، لا زال مصدر اشعاع من خلال تعدد الجامعات والمراكز العلمية الموجودة فيه والعديد من العلماء والمفكرين في شتى المجالات، شدّني الاهتمام بالآداب والفنون بمختلف أشكالها، والتقيت بفنانين مافتئوا يواصولون عملهم الابداعي رغم كل التحديات المعيشية والمآسي التي تواجههم.

بين عراق الستينات وعراق الحاضر مسافة كبيرة اختلفت فيها الظروف، وتراجعت الكثير من الأمور، وما يهم كل عربي غيور هو أن يعود العراق لسابق عهده وموقعه في عالمنا العربي كمصدرِ اشعاع فكري وثقافي ودور سياسي ريادي، وذلك لا يتأتى إلا من خلال إعادة البناء الذي يستند على فكر أبنائه وسواعدهم، وآمل أن تكون زيارتي القادمة وأوضاع العراق أكثر استقراراً وأمناً وتقدماً.

رأي : جعفر الشايب

j.alshayeb@saudiopinion.org

جعفر الشايب

كاتب وناشط حقوقي، حاصل على ماجستير اقتصاد وادارة اعمال من جامعة وسط تنسي بالولايات المتحدة الامريكية. المشرف على منتدى الثلاثاء الثقافي، ورئيس منتخب سابق للمجلس البلدي بمحافظة القطيف، وعضو مؤسس في العديد من الجمعيات الحقوقية والمدنية، نشرت له دراسات عديدة حول قضايا التنمية الاجتماعية.

تعليق واحد

  1. نعم الأوضاع في العراق النسر حبيب ولا صديق والعربي.. العراق ينزف وكل عربي اصيل يبكيه ويحزنه مايحدث في العراق. سلمت أناملك ياصديقي وحان الوقت ان نقف جميعاً مع هاذا الشعب العريق .. الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق