برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
غدق

رفس الحيوان برجله ورفس الإنسان بلسانه!

البغال والحمير والجمال عادتها الرفس بأرجلها، والبعض من الناس عاداتهم الرفس بألسنتهم التي تشبه السكاكين، لقد ابتلي المجتمع بهذا الصنف من الناس الذين لا يستنكفون يعيشون اللغو والإسفاف وسرد البهت والمهاترات والمناكفات، بعيدا عن الحق والصواب والعدل والإنصاف، آفات مقيتة هدفها القضاء على البياض، وترسيخ السواد والرماد، لا ينأون بأنفسهم عن التورط بسيئ الأقوال، وسقط التنظير والتأويل والاتهام، لا يعرفون الكلمة الطيبة، ولا يفقهون الكلمة الرشيدة، وتعبيرهم يشوبه الغموض، بلاغتهم قاصرة، ومنطقهم أعوج، ونظرتهم ليست بثاقبة، وحكمتهم غير بالغة.

إن لسان الإنسان من أعظم نعم الله عليه، فبه يخرج الكلام، وبه يعبر عما بداخله وما يدور في فكره، وبواسطته يتمكن من البيان، والإفصاح عما يدور في نفسه، وبه يتعلم ويعلم ويناقش.

الألسنة اثنان: واحد خير وصلاح وعدل، والآخر شر وزيف وباطل، فنطق اللسان يؤثر على الإنسان نفسه، إما يوفقه، وإما يخذله، إما يستعمله بالجموح والطغيان والفساد، وإما يستعمله في المعروف والإصلاح والإسعاد، وما من مصيبة إلا واللسان فيها سبح وولغ، ومن أهمل لسانه ولم يصنه نطق بما شاء ولغا، وسلك ميادين الخلل والزلل والخطايا والذنوب.

إن المتأمل لبعض ألسنة الناس، لرأى ما يذهل ويروع من لغو الحديث، وباطل القول، وسوء القصد والمبتغى، تتبع عورات، انتقاص من الناس، تندر وسخرية، تكبر وعلو، تلون ونفاق، كذب وغيبة ونميمة، وشهادة زور وسب وشتم، ولعن وقذف، وإن تسخير بعض الناس لألسنتهم وكأنها مقراض لأعراض الآخرين، بكلمات كلها فحش وتمزيق ونهش، وإسراف في التجني واللمز والغمز، فهذا طويل، وهذا قصير، وهذا نحيل، وذاك بدين، وهذا أحمق، وذاك جاهل، وكأنه وكيل على عباد الله، وله كامل الحق في تجريحهم وتصنيفهم وفق مبدأه وهواه.

إن نفوس هؤلاء البعض من الناس مليئة بالسخائم، وتبعث في الوشائح ضعفا ووهنا، فهؤلاء مطالبون أن يزِنوا أقوالهم قبل أن يتلفظوا بها، فالله – جل في علاه – لا يقبل إلا الطيب من الكلام، أزكاه وأعلاه وأنداه، قال تعالى «لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ» البقرة:83.

فالخير والسلامة في حفظ اللسان، فلا يذهب الرشد والحكمة إلا مع كثرة الكلام والثرثرة واللجج، ومن لا يملك لسانه، تلوثت سيرته في الدنيا، وخسر الآخرة، وجاء يوم القيامة منكسرا مفلسا.

رمضان العنزي

موظف قطاع خاص، كاتب رأي بصحيفة الجزيرة، روائي، لي من الإصدارات ثلاثة: ١) حي المطار القديم ٢) العيش بين مخرزين ٣) وطنيات.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق