برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

تسرب المهنيين نحو الإدارة.. متى ينتهي؟

الإدارة هي واحدة من أهم العلوم الإنسانية وأقدمها تاريخيا، ومن أكثرها شمولية أيضا، لكونها نتاج عدة علوم هي الاجتماع والنفس والسياسة، وبالتالي فالمسؤولية الإدارية تحتاج إلى من يملك العلم المتخصص فيها، إضافة إلى مقومات شخصية فطرية للإداري، لا يمكن اكتسابها من خلال العلم لمن تفتقر شخصيته إليها، كل هذا –برأيي- شيء متداول لدينا ومعروف ولكنه غير موجود على مستوى التطبيق بشكل عملي كامل يتناسب مع أهمية هذا المفهوم.

فالإدارة لدينا هي مجرد مفهوم تمارس من خلاله السلطة من جانب، والوجاهة من جانب آخر، بالشكل الذي يجعل المنصب الإداري شكلا من أشكال التكريم للشخص الذي يتم تعيينه.

هذا التعاطي مع الإدارة جعل مسألة توزيع المناصب الإدارية على ذوي التخصصات التنفيذية هي ممارسة شائعة لدينا، وليست محصورة على مستوى الإداريين فقط، بل يتجاوزها إلى أصحاب التخصصات المهنية التنفيذية كالأطباء والمهندسين والمعلمين… إلخ، بالشكل الذي يخلق قصورا في المستويين الإداري والتنفيذي، فالفراغ الذي يتركه المعلم في فصله والطبيب في عيادته والمهندس في حقله المهني، هو قصور كبير لا يزال بعض المسؤولين غير مدركين له، ولا أسوأ عندي من وجود طبيب استشاري في تخصص دقيق يعمل مديرا لمستشفى أو شؤون صحية، وقس على ذلك.

المشكلة أننا لا نستطيع أن نلوم هؤلاء المتخصصين بتركهم لتخصصاتهم التي يحتاجها المجتمع، وتوجههم نحو المناصب الإدارية، طالما هذه المناصب تمنحهم سلطات واسعة ووجاهة ومكانة اجتماعية، وسط محيطهم، لا تمنحها لهم مهارتهم التخصصية أو قيمتهم المهنية التي تسد حاجات وظيفية في غاية الأهمية للمجتمع، لكون المجتمع لا يرى ذلك ولا يهتم به قدر اهتمامه بمظاهر السلطة والوجاهة والبرستيج التي يأتي بها المنصب.

أيضا فإن هذه المناصب الإدارية، قد تمنح هؤلاء المتخصصين المهنيين فرص ترقيات وظيفية لها عوائد مادية عالية، لا تمنحها لهم تخصصاتهم الدقيقة لو استمروا بالعمل فيها، لذلك من الطبيعي أن نرى هذا التسرب الكبير من العمل المهني التخصصي نحو العمل الإداري، بشكل أصبح ملاحظا ومؤثرا.

نتمنى أن يتم الالتفات لهذه الجزئية -المهمة برأيي- ومعالجتها بالشكل الذي نحافظ فيها على متخصصي الوظائف المهنية، التي تحتاج إلى مهارة ومعرفة خاصة، وأن نحول دون تسربهم للوظائف الإدارية، سعيا وراء امتيازات ليس من الصعب توفيرها لهم، وهم على رأس عملهم المهني.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

تعليق واحد

  1. جميل جدا طرح موضوع مثل هذا و ان دل على شيء انما يدل على وطنيتك استاذ تركي هذا ان حصل فإن المهارات الفنية و العلمية تصاب بالتجمد الصخري وقد لا تذوب ان غطاها الزمن بالجفاء عنها .. اتمنى ان يكون هناك معيار شديد جديد للبس رداء الادارة

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق