برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
خلجات

التمرد على الداروينية الاجتماعية

ما إن ظهر مفهوم الاصطفاء الطبيعي لداروين، حتى أسقط على الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وأصبح أساسا لمفهوم جديد هو الداروينية الاجتماعية، ويعني ذلك الرابط الذي يربط بين أفراد المجتمع الواحد وقدرتهم على التكيف والبقاء، بل والتطور كأفراد وجماعة في ظل مجموعة من الظروف المحيطة.

لا يخلو مجتمع من النخبوية بكل أشكالها المقبولة والمرفوضة والمسكوت عنها، خاصة في المجالات العريقة وذات التأثير المباشر في شكل المجتمع وتركيبته الأساسية، ففي مجتمعات العالم الثالث تجد أوعية الثروة والدين والقرار السياسي محصورة غالبا في روابط عائلية أو مناطقية أو قومية أو عرقية محددة، بل إنه وصل الأمر من الطرافة إلى أنه في إحدى القبائل الأفريقية عائلة امتهنت الختان والحجامة في القبيلة، واعتبرته حقا إلهيا للعائلة يميزها عن غيرها، ولا تسمح لغيرها بامتهان هذه المهنة أو تعلم أسرارها.

الأمر ذاته ينطبق على الدول المتقدمة، فأوعية السياسة والصناعة والمال يشكلها مبدأ الداروينية الاجتماعية، قد تتزحزح هذه الأوعية قليلا، أو تكون أكثر مرونة أو تستبدل وعاء بآخر بسبب تطورها أو اختلاف خصائصها الاجتماعية، إلا أنها في النهاية لا تزال في دوامة القدر الدارويني.

هناك بعض المجالات البعيدة عن صلب التأثير الاجتماعي تمردت على هذا المبدأ، كالرياضة والفن في مناطقها الأدائية، إلا أنها ما زالت معلقة إداريا بيد ذات النخب.

المشكلة أن الأفراد المنتمين للطبقات المستفيدة لم يعد لديهم الحافز للتطوير والتحسين، فميزة عضوية الجماعة المتقدمة تعفيه من جهد المنافسة، وبنفس القدر يؤمن الأفراد في الطبقات الأقل بقدرية موقعهم الاجتماعي، وعبثية جهود تطوير ذواتهم، ما يصيب المجتمع بحالة من البلادة.

وقد حاول بعض الإصلاحيين السياسيين تحسين التنظيمات والقوانين، لقطع الصلات المغذية لطبقية المجتمع، باستحداث قوانين تستهدف قطع خطوط المحسوبية والفساد، واستبدالها بالكفاءة، وباستحداث برامج تطوير مجتمعية تعطي فرصا متساوية، وتضع مبدأ الكفاءة الفردية المعيار الأول لها، إلا أنها تبقى محاولات قصيرة النَفَس غالبا، ولن تستطيع مجاراة هذه القناعات المترسخة إلا بالاستمرارية، وقوة القرار، وثبات المبدأ، والقدرة على إبراز نجاحاتها.

في حين يجب على المفكرين والإصلاحيين القيام بمجهودات أكبر، في إشاعة ثقافة الحوار والتواصل وتبادل الأفكار والخبرات وإشاعة الحميمية الاجتماعية، التي سيسهل معها إجراء البرامج الإصلاحية وتعجيل ثمرتها.

علي حجي

علي محمد حسن حجي، حاصل على ماجستير في علم النفس من جامعة الأمام محمد بن سعود، كاتب مقال في عدة صحف سعودية سابقا.

‫2 تعليقات

  1. نشكرك استاذي الفاضل
    على هذا الاطراء الجميل حيث اوجزت فابدعت
    في هذا المقال الجميل

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق