برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
آراء وأفكار

عبودية المظاهر

من الظواهر الغريبة التي يتبناها الإنسان في حياته هي أن يعيش من أجل إرضاء الآخرين، واتباع الأنماط التي تم نسجها من طرف الشركات الرأسمالية، التي أبانت عزمها أن توصل الناس إلى حتفهم وتدخلهم دوامة التقليد والاستهلاك.

من الملاحظ أن هذه الشركات تبذل أقصى جهدها من أجل إقناعك بضرورة التغيير المستمر، وتسخر ملايين الدولارات من أجل صناعة الإشهار الذي سيتلاعب بكل أفكارك، ويقودك إلى فخ المقارنات والتشكيك في ذاتك رغما عن أنفك.

اللافتات الإشهارية في كل مكان والمنصات الاجتماعية متخمة بأشخاص يعملون ليل نهار في التظاهر، آخر صيحات الموضة، عرس أسطوري على اليخت، شهر العسل على جزر مهجورة، هدايا لا تقدر بثمن، كلها إنجازات مزيفة تم خلقها من فراغ من أجل إقناعك بأنك لست على قيد الحياة.

في الوقت الذي أصبحت فيه قيمة الإنسان تحدد عن طريق الأشياء التي استطاع أن يسجلها على مذكرة إنجازاته، أو من خلال نظرة الآخرين له، دخل في دوامة من الصراعات الأبدية مع نفسه، لأن لم يعد يستطيع أن يكون على حقيقته، وأصبح يجاهد في دائرة من العبث من أجل بلوغ اعتراف الآخرين به، غير مدرك أن هذا الأخير غاية لن تدرك أبدا.

الغريب أن عبودية المظاهر ليست وليدة هذا العصر الذي كثرت فيه ثقافة المقارنات وتقليد المشاهير، بل هي مقترنة بوجود الإنسان على هذه البسيطة، وربما ما تغير اليوم هو فقط تجليات هذه الظاهرة في عصر أصبحت فيه مشاركة الحياة الخاصة والتظاهر بالبرجوازية عملا مدفوع أجره.

علينا أن نعي هذه المسألة، ونحاول دائما العودة إلى أصل هذه الظواهر وتفكيكها، وقبلها العودة إلى أنفسنا وتحديد قيمتها الأصلية التي من المفروض أن نستمدها من الرسالة التي نحملها وغايتنا الأسمى من هذه الحياة.

علينا أن نعلم أن أعيننا لا تلمح سوى ظاهر الأشياء، وربما الحقيقة التي يتم رصدها هي مزيفة، ربما من يأخذ صورا بابتسامة عريضة معبرا عن سعادته، هو يخبئ ألما وحزنا شديدين لا يعلم بهما أحد، ربما من يرتدي دائما آخر صيحات الموضة، يكون قد حصل عليها بطرق غير مشروعة ولا تتماشى والأخلاقيات العامة، ربما ذلك العاشق الذي لا ينفك عن كتابة الشعر والكلام المعسول على صور تجمعه ومعشوقته، هو فقط تحايل من أجل جذب الانتباه والحصول على عدد وفير من الإعجاب.

لهذا علينا أن ننتبه دائما للجانب الخفي والمحتمل لكل قصة، وأن نبتعد عن رؤية العالم بعين الفقدان، ولنتعلم كيف نقدر ذواتنا ونرسم لنا أهدافا تمثلنا، ونسعى بكل جهد من أجل تحقيقها.

مشعل أبا الودع

مشعل أبا الودع الحربي، بكالوريوس إعلام، كاتب في عدد من الصحف العربية والخليجية، صدر له كتاب «مقالات أبا الودع في الألفية».

تعليق واحد

  1. نعم صح الله لسانك استاذ مشعل فالاصل هو الفصل عندما يكون المضمون مغيب يصبر الظاهر بطلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق