برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فلسفة

طيش الفن

أشرنا في المقالة السابقة إلى دور الفن وملكة الخيال في الخروج من أسر الطبيعة والانفتاح على عالم الثقافة، واليوم سنتحدث عن سمة تميز الأعمال الفنية مقارنة بالأعمال الفلسفية والعلمية، وهي «طيش الفن»

الطيش صفة سلبية في بادئ الأمر، فهو نوع من التمرد على القيود والضوابط، لكن هذا التمرد هو ذاته ما يميز الفن ويجعله من أرقى إنتاجات الروح البشرية، فما أهم تمظهرات طيش الفن؟

التمظهر الأول نلمسه في انتهاك الفن لقوانين الطبيعة، إننا في إطار الطبيعة نكون خاضعين للقوانين ولحتمية الأسباب، فلا نستطيع مثلا أن نطير لأن قانون الجاذبية يمنعنا، لكننا في العمل الفني نستطيع الطيران، ونتحدى قوانين الطبيعة، ورغم أن البشر استطاعوا الطيران في العصر الحديث بفضل تطور العلوم، إلا أن الفن كان ولا يزال يلهم العلماء، ولعلكم تتذكرون الروائي الفرنسي جول فيرن وخياله الواسع الذي فتح باب الدهشة واسعا أمام العلماء.

التمظهر الثاني هو اختراق قوانين المنطق، ففي حياتنا الواقعية لا يمكن أن نتصور أن يكون الشخص حيا وميتا معا، لأن هذا ينتهك مبدأ فكريا راسخا وهو مبدأ عدم التناقض، لكننا في الفن لا نحفل بالتناقض كثيرا، ويكفي أن نتذكر شخصيات «الزومبي» حيث يكون الكائن حيا وميتا معا، وهذا الاختراق الفني للمنطق يعد أحد تجليات الطيش والتمرد التي تميز العمل الفني.

التمظهر الثالث للطيش نجده في رفض الفن للمنهج، المنهج لغة هو الطريق الذي تكرر عليه السير ومهّدته الأقدام، وفي البحوث العلمية لا بد من اتخاذ منهج كالمنهج الاستنباطي أو الاستقرائي أو الوصفي أو الجدلي، ونحو ذلك، والمنهج له بدايات تسمى المقدمات، ونهايات تدعى بالخاتمة، لكن في الفن هناك ابتداعا متجددا للطرق، بل إنها لا تكون طرقا عند لحظة الإبداع، بل خلقا جديدا، ثم يأتي المقلدون فيعبرون هذا المسار ويحولونه إلى طريق، أي إلى مسار مطروق، من هنا فالمقلدون لا يُعتبرون فنانين أصلاء، هناك مثلا شعراء وشاعرات كثر قلدوا نزار قباني، أي ساروا على الدرب الذي اتخذه، ولكنه هو المبدع الأصيل لأنه أول من خرج عن الطرق الفنية المألوفة واختط له مسارا جديدا، وقل مثل ذلك على كل فنان أصيل، هذا الانحراف عن الطريق المألوف يعد ضربا من طيش الفن.

التمظهر الرابع هو كسر قواعد التعبير المألوفة، ففي الفنون اللغوية كالشعر، هناك تعريف شهير للناقد الكبير رومان جاكبسون، ويعرّف فيه الشعر بأنه انتهاك متواصل لقواعد الكلام العادي، وهذا صحيح، فلغة الشعر تختلف عن لغة الكلام العادي في جوانب عديدة، ولعل أبرزها اعتماد الشعر على خلق استعارات جديدة.

التمظهر الخامس هو أن الفن مغامرة، الفنان بطبيعته مغرور، أي يبحث عن تفرده وتميزه عن غيره، ولذا فهو يرفض التقليد، وهذا يجعل إبداعه ضربا من المغامرة، فإذا استحضرنا رفضه للقواعد وللمنهج، فإننا سنستنتج أن الفنان يرفض التخطيط المسبق في إنشاء العمل الفني، وهذا ما يميز الفنان الحقيقي، فهو لا يبدع عندما تكون الفكرة قد اكتملت في ذهنه، بل إن الفكرة لا تكتمل إلا في نهاية العمل الفني، وهكذا فنحن أشبه بمن يركب مع الفنان في سيارته ونحن لا نعرف إلى أين سيأخذنا، بخلاف العالِم والمفكر المنهجي الذي يعطينا خريطة للطريق منذ بدايته إلى نهايته، من هنا فالفن مغامرة لا ندري عن نهايتها.

التمظهر الأخير مرتبط بكل ما سبق، وههنا يتجلى الطيش في طبيعة حياة الفنان، فمن المعروف أن الفنان يعيش، في العادة، حياة فوضوية ومتقلبة وخالية من الرتابة، ولا عجب -والحال هذا- أن أغلب البوهيميين هم من أهل الفن، أما العالِم والمفكر المنهجي فإن حياته أكثر انتظاما ورتابة ودقة، ويكفي أن نستحضر نموذج الفيلسوف الصارم إيمانويل كانط، لقد عاش هذا الرجل حياته كآلةٍ مبرمجة على نمط واحد، ويقال إن جيرانه كانوا يضبطون ساعاتهم على روتينه الخاص، كان -على سبيل المثال- يخرج للنزهة في الساعة السابعة صباحا، فإذا وجد أحدُ الجيران أن ساعته تشير للسابعة والنصف، فإنه سيعيد ضبط ساعته بناء على وقت خروج «كانط» وبالمقابل نجد الأديب الفرنسي بلزاك يعيش حياة متمردة وفوضوية حتى أنه تعرض لتراكم الديون بسبب طيشه، وكان لا يكتب إلا إذا امتلأت جيوبه بالمال.

شايع الوقيان

كاتب سعودي، عضو مؤسس لحلقة الرياض الفلسفية. له عدد من المؤلفات منها: الفلسفة بين الفن والأيديولوجيا، وقراءات في الخطاب الفلسفي، والوجود والوعي: استئناف الفينومينولوجيا.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق