برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
في مهب الحرف

«الكلوب هاوس» مستقبل الحوارات

لا صوت يخطفنا من أخبار الجائحة وتوفر اللقاحات والحديث عن مستقبلها، والفايروس المتحور أكثر من صوت «الكلوب هاوس» الذي صعد على نحو مفاجئ ليكون هو الحدث المدهش، الذي تحول معه الناس بين منحاز له، ومتخوف منه، ومراقب صامت، وذاك بسبب أن «الكلوب هاوس» كأي منتج جديد سيمر بثلاث مراحل:

أولاها: حالة تجمع بين الانبهار والدهشة والرفض

وثانيها: التعامل المشروط

وأخيرا: القبول التام أو الانصراف التام عنه.

ما يعني أن أي حكم لصالحه أو ضده الآن لن يكون متجردا تماما والأيام كفيلة بالحكم الصحيح والموقف الأكثر روّية، ومع هذا علينا أن نقرر أن «الكلوب هاوس» يشبع رغبة وتعطش الناس للكلام والاستماع، ويشكل وسيلة سهلة للتعارف والطرح والمثاقفة وتبادل الرؤى بكثافة، وقد يكون هو مستقبل الرأي وأحد مصادر تشكيله، وسيقف على هرم دوائر المعرفة وتشاركها بطريقة سهلة وسريعة يمكن الوصول إليها بضغطة زر.

ولربما شكل هذا الفعل الإعلامي ضغطا على الإذاعة وبرامج الحوار المتلفزة والبودكاست، كونه بات يغني عنها وعن انتظارها، إذ إن الحوارات في هذا التطبيق مختلفة، وعلى مدار الساعة وفي كل المجالات، بل إنه نقلنا من مرحلة انتظار برنامج حواري ثري أو بودكاست مميز يطل علينا عبر الشاشة كل أسبوع، إلى فاعل يمكنه أن يتولى اقتراحه واختيار موضوعه والمشاركين فيه دون عناء يذكر، فالأمر لا يتجاوز إنشاء غرفة واختيار المتحدثين وإعلان الموعد.

لا شك أن هناك أصواتا على مستوى العالم توجست خيفة من هذا الحال، وأعلنت موقفها الرافض ودعت إلى الالتفات لتلك الغرف الهابطة فكريا ومعرفيا وقيميا، وحذرت مما يشكله وما تجري فيه من حوارات مهددة لقيم المجتمعات العُليا، وهذا الأمر ليس بدعا ولا خاصا بـ«الكلوب هاوس» فقد واجه الفيس بوك وتويتر نفس الموقف حتى أنه أشيع عن امبرتو إيكو أنه وصفها بغزو البلهاء، حين قال «أدوات مثل تويتر وفيسبوك تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فورا، أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل، إنه غزو البلهاء»

ومن دون شك، أن هذه الحالة عامة، ففي كل وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها يوجد طرح هابط ومحتوى رديء ونقاش سخيف وموضوعات ساقطة، لكنها لا تمثل كل الصورة ولا تحدد شكل المشهد رغم وجودها وخطرها.

أما الصورة الأكثر قربا لـ«الكلوب هاوس» فأنه فضاء رحب ومؤتمرات مفتوحة وسوق هائل لا يتوقف، يعرض منتجه بحرية متناهية، وهنا تبدأ المشكلة التي تقتضيها طبيعة الحرية، فهي خطرة جدا كما قال فولتيير حين اكتشف قصيدة النثر ثم صرخ صرخته المرعبة «إنها خطرة كالحرية»

لكن الحرية أيضا مهمة جدا ونحتاجها، وعلينا أن نتعلم كيف نُدير خياراتنا في ظل وجودها نحو الأفضل، وعلى دور التربية أن تتعلم كيف تصنع هذا الحس لدى الأجيال، في تقديري أنه سيأتي اليوم الذي سنتعامل معه كمجتمع بنفس الوتيرة التي نتعامل بها الآن مع الواتس آب والسناب شات وتويتر وغيرها من التطبيقات، وربما كان في قادم الأيام وفي ظل تنامي الاهتمام بمفاهيم الاتصال وإدارة السمعة وتحسين الصورة الذهنية ضمن اهتمامات كل القطاعات، بالتوجه نحو إنشاء غرف لها على هذا التطبيق بغية مد جسور تواصل مع عملاء جدد ومستفيدين أكثر، وربما ستطلب كل جهة من منسوبيها تحميل «الكلوب هاوس» لإدارة أحاديث وحوارات مع المستفيد الداخلي والخارجي بغية التسويق لمنتجها أو بحثا عن فهم أعمق للمستفيدين ومعرفة أوسع عن رغباتهم وسلوكهم، من أجل تحقيق المزيد من التطوير بما يحقق مؤشرات التميز المؤسسي كما هو الحال الآن مع سناب شات وتويتر.

وعلى المستوى الفردي، أتخيل أن «الكلوب هاوس» سيكون رفيقا لمن يمارسون رياضتهم اليومية ولقوافل الذاهبين إلى أعمالهم والمسترخين على الأرائك في منازلهم مع أقداح الشاي، بل وربما وصل الأمر إلى أن تجد الفلاح في حقله والبائع في متجره والنجار في مصنعه يضعون سماعاتهم على آذانهم ويستمعون لحوارات «الكلوب هاوس» بل ويشاركون فيها بخبراتهم البسيطة ورؤاهم وهم يمارسون نشاطهم اليومي بالكثير من الاستمتاع.

ناصر العُمري

ناصر بن محمد أحمد العُمري، كاتب رأي في عدد من الصحف المحلية، نائب رئيس اللجنة الإعلامية لقرية الباحة التراثية بمهرجان الجنادرية، رئيس تحرير مجلة تهامة الصادرة من الغرفة التجارية الصناعية بالمخواة، المنسق الإعلامي لبرامج أندية الحي الترفيهية التعليمية و أمين عام ملتقى المواطنة الرقمية والأمن السيبراني بمنطقة الباحة حاصل على دبلوم عالي في استخدام الدراما في التعليم من معهد نور الحسين في الأردن، رئيس اللجنة الثقافية بمحافظة المخواة وعضو لجنة المسرح بمنطقة الباحة. حصل على جائزة المركز الأول في مسابقة النص المسرحي على مستوى السعودية عن نص «كانت أيام» من الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالجوف وجائزة المركز الثالث في مسابقة أحمد أبو ربعية بالمدينة المنورة عن نص «انتظار» وجائزة أمير منطقة الباحة للإبداع المسرحي عن نص «آن له أن ينصاع». كما ساهم في اخراج العديد من الأعمال المسرحية. نشر له العديد من المقالات المسرحية والقراءات في العديد من الصحف والمجلات المحلية والعربية. صدر له كتاب «ركح الفرجة» و «صراع .كوم»، وشارك في العديد من المنتديات والمؤتمرات والندوات الثقافية والمسرحية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق