برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
أَشرِعة

أنا و«أبو الركب» والعجايز

من الرياض عاصمة وطننا الحبيب، وتحديدا من على السرير الأبيض الذي أرقد عليه في منزل أحد أبنائي، وليس شرطا أن يكون سرير المرض أبيض، إذا كان خارج المستشفى، ولكنه مصطلح طبي اصطلح عليه الآخرون، وقبل أن يقول لي أحباب الكلمة، وأصدقاء الحرف «الحمد لله على السلامة» أحب أن أوضح لهم أني أجريت عمليتين في الركبتين، بسبب الخشونة التي كنت أعاني منها، وأنا الآن أشعر أني من حسن إلى أحسن.

كنت لا أود أن أبوح بهذه المعلومة -معلومة الخشونة- لسبب لا يغيب عن فطنة القراء، وخاصة فيما يتعلق بالعمر، والتقدم في السن، ولكن السياق أجبرني على هذا الإفصاح.

ملازمتي للسرير مدة من الوقت بعد العمليتين، وعدم قدرتي على الحركة لقضاء حاجاتي الخاصة، أعادتني عقودا طويلة من سنوات العمر، عندما كنت طالبا في المرحلة الابتدائية بمدرسة فرسان الابتدائية، وهذا إفشاء آخر لا أحب أن يعرفه الآخرون للأسباب التي أشرت إليها.

في تلك الأيام لم نعرف المقاعد الحكومية، ولكننا كنا نتلقى الدروس على الحصر المصنوعة من الخوص، وأمامنا سبورات خشبية من صنع محلي، طليت باللون الأسود، وبسبب ذلك تفتقت أذهاننا -نحن الطلبة- عن أن نذهب إلى أصحاب الحوانيت الصغيرة الذين كانت تأتيهم تنكات «القاز» وتنكات «السمن الهولندي» الذي يطلق عليه إخوتنا في جيزان «السمن الخشبي» في صناديق خشبية، كنا نأخذها، ونصلح ما اعوج منها بالمسامير، ثم نغلفها بأوراق صحف أجنبية، كان يأتي بها أصحاب السفن الشراعية من عدن، عندما كانت مستعمرة بريطانية وميناء حرا مفتوحا.

كنا نصنع محلولا من الدقيق نلصق به تلك الصحف على جوانب الصناديق، وننتظرها بعد أن تجف لنجلس عليها، وفي داخل كل واحد فينا فرحة لا تساويها فرحة أخرى.

في تلك الأيام -على ما أذكر- انتشر في جزيرتي «فرسان» وباء خبيث خفيف اسمه «أبو الركب» وأقول خبيث لأنه لا يترك للمصاب به فرصة الحراك إطلاقا، وكان أكثر ما يتركز في الركبتين مصحوبا بآلام حادة شديدة، وأقول خفيف لأنه كان لا يمكث لدى المصاب به سوى ثلاثة أيام فقط.

كان هذا المرض قد عبث بزملائي، وكنت أسخر منهم عندما يحملون إلى منازلهم على الأيدي.

في تلك الأيام لم نعرف المقاصف المدرسية ولا الساندويتشات، وإنما بعد الثلاث الحصص الأولى نمنح نصف ساعة للذهاب إلى منازلنا لتناول الفطور، وفي أحد هذه الأيام كالعادة تناولت فطوري في منزلي ثم عدت إلى المدرسة، وجلست على صندوقي، وما كادت تنتهي الحصة الرابعة حتى وجدت نفسي لا أستطيع حراكا من فوق الصندوق، ووجدت نفسي في حالة بكاء شديد من شدة الآلام، ووجدت نفسي أيضا محمولا على أيدي بعض زملائي.

تذكرت ذلك المرض بعد إجراء العمليتين، وتذكرت قول ذلك الشاعر الشعبي الفرساني:

بو الركب أجا فرصان

وسافر إلى جيزان

يدور عجايز.

إبراهيم مفتاح

إبراهيم عبدالله مفتاح، شاعر سعودي، عضو مجلس منطقة جازان والمشرف على الآثار في جزر فرسان جنوب السعودية، عضو في العديد من اللجان والمجالس منها مجلس إدارة نادي جازان الأدبي، ونادي الصواري الرياضي بفرسان. شارك في إحياء العديد من الأمسيات الشعرية في معظم النوادي الأدبية بالسعودية، وكاتب مقالة في الصحف السعودية. حصل على جائزة الشعر الفصيح ضمن جائزة أبها الثقافية لعام 1417هـ التي يرعاها خالد الفيصل أمير منطقة عسير آنذاك، كما مثل السعودية في عدد من المناسبات الثقافية، منها: الأسبوع الثقافي السعودي في الإمارات العربية المتحدة عام 1417هـ، والمؤتمر الثاني والعشرين للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، والمهرجان الثالث والعشرين للشعر العربي عام 2003 في الجزائر. كُرم من قبل مركز الملك فهد الثقافي بالرياض عام 1438هـ واثنينية عبدالمقصود خوجة في جدة عام 1430هـ، كما كرم من جامعة جيزان عام 1431هـ، وتم اختياره عام 1436هـ كشخصية ثقافية في منطقة جيزان برعاية أمير المنطقة. له العديد من الإصدارات منها: احمرار الصمت، رائحة التراب، أدب الأشجار في جزر فرسان، فرسان.. الناس.. البحر والتاريخ، الصنبوق وأم الصبيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق