برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
وحي المرايا

هل إقامة العدل أولى من إقامة الدين؟

لطالما تساءلت إن كانت الأمانة التي حملها الله للإنسان هي الدين، فلماذا خيره في آيات كثيرة، وجعل حرية الاختيار حقا له، ثم يوم القيامة يتولى حسابه «لا إكراه في الدين»، «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» ثم عرفت أن ما لم يخير الله الإنسان فيه هو إقامة العدل والسلام «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ»

وعندما أراد الله أن يستخلف في الأرض، توجست الملائكة الخوف الأزلي من هذا الاستخلاف «أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ» ثم جاءوا بالمضاد لهذا العدوان «ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك» وكأن المعنى أن نقيض الإيمان هو الاعتداء.

وإن كنت سأقول «طالما» مرة أخرى، فلطالما رأيت الله -جل وعلا- يشبه الشرك بالظلم في كتابه المجيد، حتى حسبت أن الظلم هو الشرك، وليس الشرك هو الظلم، ولطالما وصف الكفر بالعدوان حتى ظننت أن العدوان هو الكفر بعينه.

ولطالما شعرت بالحزن على مصير أولئك الذين فتحوا للبشرية أبواب رحمة وضعها الله على أيديهم، حتى كادوا يبلغوا مراقي الأنبياء، وهم لم ينطقوا بالشهادتين يوما، ممن اخترعوا أمصالا أنقذت البشرية من الأمراض، أو من اختراعات أفادت البشرية، وممن سهلوا حياة البشر، ولم يعرف عن أحد منهم أنه أذى أو أضر بأحد، أو أولئك الذين انحازوا للعدل وللرحمة، ووقفوا في وجوه الطغاة، وكانت سيرتهم خالية من العنف والظلم، هل يستوون ومن نطق بكلمة الحق، ثم ذهب يهلك الحرث والنسل؟

لطالما خالجني شعور أنه إذا كان هناك من يساق إلى الجنة بالسلاسل يوم القيامة، فهم هؤلاء الذين آمنت أفعالهم بالله، ولم تؤمن قلوبهم وألسنتهم، ومثل ما شهدت يوم القيامة أيدي أولئك وأرجلهم على بغيهم وظلمهم، فأرجوا –عدلا- أن تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم، بأنهم كانوا قوما حافظين لأمانة العدل والسلام.

أخيرا، أنا لست بصدد فصل هذه الصفات العظيمة، عن هذا الدين العظيم، ولكنني أريد أن أسلط الضوء نحو فهم أعمق لما يريد الله من البشرية، وأن روح ديننا العظيم هو في اعتنائه بهذه الصفات «العدل، والسلام» وحرية الاختيار، وليس في التدين النمطي، وأخذ الدين وكأنه يبدو عرقا، أو حزبا سياسيا.

غانم الحمر

غانم محمد الحمر الغامدي من مواليد منطقة الباحة، بكالوريوس هندسة كهربائية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران ، مهندس في إحدى شركات الاتصالات الكبرى بالمملكة ، كتبت ما يزيد عن 400 مقال صحفي في صحف سعودية له اصداران مطبوعان الأول بعنوان " من وحي المرايا " والأخر " أمي التي قالت لي "

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق