برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بوارق

حكيم العرب «ابن عباد»

نستل من الأحداث التاريخية المدونة في كتب التاريخ، روائع الحكم، ونستلهم سير شخصيات تاريخية فذة، تركت إرثا ثقافيا وفكريا وشعريا زاخرا، والحارث بن عباد أحد الشخصيات اللامعة شجاعة وفروسية وحكمة وحلما، وهو صاحب العبارة الشهيرة التي أصبحت مثلا «لا ناقة لي في هذا ولا جمل» ورغم أن العربي وقتها ينحاز إلى قبيلته حتى لو كانت ظالمة متمثلة في بيت الشاعر:

أَلاَ لاَ يَجْهَلَـنَّ أَحَـدٌ عَلَيْنَـا

فَنَجْهَـلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنَـا

إلا أن الحارث بن عباد بما تميز به من حكمة، اعتزل الحرب الدامية رغم قوته وشجاعته وفروسيته، لأنه لا يرى في تلك الحرب شجاعة أو حكمة، بل سعى إلى الصلح حقنا للدماء، ولمّا أتت نار الحرب إلى باب منزله ظلما بمقتل ابنه جبير من قبل الزير سالم دونما سبب، وجد أن القاتل لا بد أن يأخذ جزاءه حتى لو كان في قوة وشجاعة الزير سالم، وتمكن حين احتدمت المعركة من اقتلاعه من ظهر جواده، وكسر ظهره، وأزاحه عن ساحات المعارك.

الحارث بن عباد، أراد بفطنته أن يقدم ابنه فدية لإيقاف حرب دامت أربعين عاما، وحقنا لدماء القبيلتين، إلا أن إهانته بمقتل ابنه «بشسع نعل كليب» أثارت غضبه ودفعته للانتقام من المتسبب، لتنتهي الحرب بعد معركة سجلها التاريخ بـ«يوم التحالق»

فشخصية الحارث جمعت بين الحكمة والفروسية والشجاعة والحلم ورفض الضيم، فهو شجاع حين يكون للشجاعة معنى، إذ زأر كالأسد وأنشد يردد مطلع قصيدته «قرّبا مربط النعامة مني» وحكيم حين يكون للحكمة هدف بسعيه لإيقاف نزيف الدم لحرب كان سببها اعتداء ناقة على حمى كليب، وفارس حين قاد حربا انتصر فيها، وشاعر تناقل العرب جميل قصائده، ومن بين أبياته الشهيرة:

كل شيء مصيره للزوال      غير ربي وصالح الأعمال.

والقصيدة تفيض لوعة وأسى وحزنا على فقد ابنه جبير.

وحين نفتح نافذة مضيئة لنقرأ صفحات التاريخ نستلهم العبر بأن الجائر ستنكسر شوكته، والمعتدي سيهزم حتى ولو حفل بنصر صغير، من التاريخ يمكن استجلاء الكثير من الحكم والاستفادة منها، فالتاريخ عبر لمن أراد أن يعتبر.

جمعان الكرت

كاتب صحفي في صحيفتي الشرق والبلاد سابقاً، سبق له الكتابة في عدد من الصحف الإلكترونية منها (سبق، مكة الإلكترونية، صحيفة الأنباء العربية)، كما أنه كاتب قصة قصيرة، وصدر له عدد من المطبوعات الأدبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق