برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بوليفارد

«طفش»

غرف مجهزة وفاخرة، نوم متواصل، منازل مكتنزة بما لذ وطاب من الأكل والشراب، أنواع الألعاب والملاهي والمُسليات التي لا تنتهي، ومع كل ذلك يأتي إليك ابنك أو ابنتك ويقول لك: طفش!

وبالطبع كثير من الآباء والأمهات لا يجدون مبررا لهذا «الطفش» إزاء التكلفة المادية والراحة النفسية التي وفروها لأبنائهم، ويقارنون على الدوام أوضاع أبنائهم المترفة بأوضاعهم التي مضت حينما كانوا في سن أبنائهم، حيث كانوا يَقبَلون بأية بارقة فرح وبأقل الأشياء كُلْفة، ومع ذلك كانوا ينعمون بقدر كبير من التصالح مع النفس والواقع، وكانت حياتهم لا تعرف «الطفش» إلا كما يعرف أبناء هذا الجيل السعادة.

فما سر هذا الشعور الذي يلازم –تقريبا- معظم أبناء هذا الجيل؟ رغم هذه المَبَالِغ المُبَالَغ فيها التي يدفعها الآباء من أجل سعادة أبنائهم؟

أول أسباب «الطفش» عند الجيل الحالي هو ضعف الصلة بينهم وبين خالقهم، ويُلاحظ الجميع أن الأبناء في هذا الزمان قلبُوا الليل نهارا والنهار ليلا، وهنا أخلّوا بسنن الله الكونية، قال تعالى «هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا» وقال تعالى «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشا»

فاضطراب النوم إضافة إلى ما يسببه من مشكلات صحية ونفسية يتسبب في ضياع العبادات في توقيتها الصحيح، قال تعالى «وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنكا» ومشكلة كثير من الأبناء حاليا هي اتخاذهم بعض مشاهير برامج التواصل الاجتماعي قدوة لهم، حيث يستيقظ «المشهور» بعد صلاة العشاء و«يتمغط» في فراشه ويتغنى أنه «مفلل نوم» ثم يبحث عن الشلة ويرتادون المطاعم والمقاهي، والمتابعون يغبطونهم على هذه السعادة، وما عرفوا أنهم ربما يكونون أشقى منهم، لأنهم خالفوا سنة الله في خلقه.

ومن أسباب «الطفش» قلة ممارسة الرياضة، ونمط التغذية السيئ، وعدم وجود هدف قوي ومحفز مع غياب الشغف والهوايات المسلية والحركية، وغلبة الاتكالية وغياب المسؤولية، وأيضا عدم معرفة قيمة التفاصيل المهملة مثل الاستمتاع بكوب قهوة ساخنة، أو رحلة برية مع الأصدقاء، أو لعبة معينة، باختصار لم يعد لكل شيء طعم أي شيء عند هذا الجيل، لأن الأشياء متاحة عندهم بيسر وسهولة، فهو يمتلك سيارة في سن مبكرة وجوالا أحدث موديل وملبوسات كثيرة، ونقودا في متناوله في أي وقت، فماذا بقي من متعة ينتظرها؟

الأديب الروسي الشهير تولستوي كان غارقا في الملذات منذ شبابه بحكم نشأته المترفة، وقد اعترف في مذكراته بشقائه المميت، وعدم سعادته، ولكنه وجد كل السعادة حينما كرّس حياته للآخرين وللكتابة كهدف وهواية، بل إنه يصوم فترات طويلة -مع إنه غير مسلم- لأنه يشعر بلذة الجوع أكثر من لذة الشبع.

السعادة –باختصار- صلة بين العبد وربه وهدف تسعى لتحقيقه وصفاء نفس تخدم وتحب الآخرين، عدا ذلك أبشروا بـ«الطفش».

منيف الضوي

منيف خضير الضوي، ماجستير إدارة تربوية، حصل على جائزة التعليم للتميز، عضو في عدد من المؤسسات منها أكاديمية الحوار الوطني، جمعية جستن التربوية، اتحاد المدربين العرب. له «5» إصدارات، وكتب الرأي في عدد من الصحف كما مارس التحرير الصحفي في صحيفة الجزيرة السعودية، وعمل مراسلاً في إذاعة الرياض، كما يمتلك خبرات واسعة في مجال الإعداد والتعليق الصوتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق