برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

الإنسان ووهم السعادة

يسعى غالبية البشر وبشكل محموم نحو السلطة، وعلى استعداد أن يضحوا بكل شيء تقريبا مقابل الحصول عليها، معتقدين أن وجودها سيجلب معه كل متطلبات السعادة البشرية.

نعم سلطة المال والمنصب بجانب قدرتها على منحك القدرة على تحقيق ما ترغب به، إلا أنها قد تكون فخا يسرق حياتك دون أن تعلم.

هذه السلطة إن اندفع الإنسان معها فإنها قد تكون أكبر أعداء سعادته وراحة باله، لأنها تستهلك عمره وتجعله محاطا بصراعات طويلة لاكتسابها والمحافظة عليها، ومع ذلك فإنه لا يجني منها سوى وهم العلاقات ووهم المشاعر، علاقات مزيفة، ومشاعر مزيفة.

ففي دراسة حديثة لمجموعة من كبار السن الذين حققوا نجاحات كبيرة في حياتهم، تم سؤالهم حول تجربتهم بعد هذا العمر وكمية النجاحات والإنجازات التي حققوها في حياتهم: ما الذي يرونه الأهم بينها، ويعتبرون تحقيقه هو النجاح الأميز والأكثر قيمة في الحياة؟

كان جوابهم جميعا ينحصر في أمرين فقط هما العائلة والأصدقاء الطيبين، فاعتبروهما أهم ما يمكن تحقيقه في جوانب الحياة البشرية التي استخلصوها بعد هذا العمر، وأن ما عداهما هي نجاحات مزيفة ومضللة وغير حقيقية.

ففي رأيهم أن العلاقات العائلية الدافئة هي المصدر الأول لتحقيق السعادة، العلاقات العائلية الصادقة والقائمة على الحب والمودة، كما أن وجود علاقات صداقة صافية وصادقة هي مصدر كبير للسعادة وللشعور بالأمان خصوصا مع التقدم بالسن، فالصداقة الصادقة هي أكثر المشاعر الإنسانية نبلا، لأنها العلاقة البشرية الوحيدة التي تتماهى فيها الحقوق والواجبات بشكل عجيب.

الإشكالية أن معظم البشر لن يصل إلى إدراك قيمة العائلة والصداقة إلا في وقت متأخر جدا، لأن هذا الإدراك تحجبه غالبا كمية الصراعات اليومية والطموحات البراقة والنجاحات المزيفة التي يصنعها ثم يجمّلها المجتمع المحيط، لتسرق حياة الفرد بالركض خلفها دون أن يشعر، إدراك قيمة العائلة والصداقة لن يحدث غالبا إلا بعد أن يتصالح الإنسان مع نفسه، وغالبية البشر إما أن يتصالح مع نفسه بشكل متأخر جدا، أو أنه لا يتصالح معها أبدا.

‏فالتصالح مع النفس هو أصعب ما قد يحاول الإنسان تحقيقه، وهو بالمقابل أهم ما يقوم به من جهد في حياته كلها، فالإنسان بعيد كل البعد غالبا عن نفسه، وأكثر ما يبعده هو انشغاله عنها بالناس، انشغاله بالناس حتى وإن لم يكن بطرق مباشرة. انشغاله بتقييم الناس ونظرتهم له، سعيه الدؤوب للتفوق، الانتصار عليهم، فالناس أبناء الأفكار، الأفكار التي تشغل الإنسان عن نفسه وتجعله بعيدا عن الصلح معها.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

تعليق واحد

  1. هذا عين العقل ان تعرف الاوليات في حياتك في وقت مبكر خيرا من تعرفها في وقت متأخر .. اتمنى ان يرى هذا المقال العيون و العقول و العضلات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق