برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

هدية افتراضية

قبل أيام، أخبرني ابني «عبدالله» أنه سيشارك في احتفال صديقه المقرب بعيد ميلاده، وعند سؤالي له عن الهدية التي ينوي إهداءها لذلك الصديق، فاجأني بأنه سيشتري له رصيدا في لعبة إلكترونية، تمكنه من التقدّم في مراحلها، وتطلّب الأمر نقاشا حتى اقتنع بأنها هديّة ستلقى تقدير ذلك الصديق، وفي النهاية، كان له ما أراد دون أن أقتنع تماما بمعنى تلك الهدية.

الهديّة عادة تحمل بعدا معنويا يفوق البدل المادّي لها، تصوّروا معي أن يهديك أحدهم مبلغ خمسة عشر ريالا، كيف سيكون تقبّلك لها، مقارنة بأن يهديك نفس الشخص كوبا من القهوة بنفس القيمة، تقدير الهدية إذن لا ينبع من القيمة المادّية فقط، ولكن من عدّة معانٍ مرتبطة بها.

الهديّة ليست سوى مادّة تعبّر عن مشاعر وعواطف، فنحن البشر وبحكم التصاقنا بعالم مادّي، نسعى لترجمة كل شيء في قوالب مادّية، وكلما تصاعدت رغبتنا في التعبير عن عواطفنا وقيمة الآخرين في أنفسنا، نسعى إلى رفع قيمة المادّة التي نهديها لهم، ولعلّ هذا ما يفسّر اختيار المعادن النفيسة والأحجار الكريمة والمجوهرات كهدايا بين العشّاق للتعبير عن القيمة التي يحملونها لبعضهم البعض.

وبالعودة إلى الابن «عبدالله» وهديته لصديقه، فإن اللافت هو اختياره لمنتج افتراضي للتعبير عن تقديره للصداقة، بدلا من اختيار منتج مادّي تقليدي ملموس، واللافت أكثر، هو احتفاء صديقه بتلك الهدية.

الهديّة الماديّة الملموسة عادة ما تتفاعل مع كامل حواسّنا وتشعرنا بما يحمله المُهدي لنا من مشاعر، لذلك تغمرنا السعادة ونحن نستكشف الهديّة ونقلبها لمعاينتها بعناية، ونعاود النظر إليها عادة بسعادة غامرة، ويبقى لها حضور في ذاكرتنا يمتد إلى سنوات.

هل ستقوم الهديّة الافتراضية بنفس الوظيفة؟ الهديّة الافتراضية لا تتمثّل لحواسّنا بنفس مقدار تمثّل الهدية الماديّة التقليدية، ولا نمر بنفس الإحساس ونحن نمزّق تغليفها لنستكشفها.

الهديّة الافتراضية غير الملموسة قد تكون مثالا واحدا فقط، لمعطيات أخرى متعددة، قد تغيّر من نظام تفاعلنا بين المادّي والمعنوي، والصيغ التي اعتدناها للتنقل بين مشاعرنا والعالم الملموس.

العالم الافتراضي الذي يدفعنا للتموضع أكثر بداخله، سيملي علينا خياراته، ومنها هدية عبدالله لصديقه كمثال بسيط، ولكنها ستتوسّع لتفرض نظاما مغايرا للتعبير عن ذواتنا.

صحيح توسّط المنتجات الافتراضية بين العالم المادي ومشاعرنا وسلوكياتنا ليس حديثا، فعلى سبيل المثال، تحول النقود إلى أرقام والدفع عبر الشبكة دون التعامل مع العملة الورقية، أحدث تغييرا ملموسا في سلوكنا الاستهلاك ونمط تسوقنا، لكن الفارق مع توسط المنتجات الافتراضية في مثال الهدية، أنها اخترقت مجال علاقاتنا الإنسانية، وبالتالي فإن نتائج هذا الاختراق ربما تكون أهم أو أخطر من اختراقها لمجال الاستهلاك والتسوق.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق