برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسات

وسخرنا بعضكم لبعض

خلف أبواب المنازل المغلقة، وفي الزمن الذي نعيش فيه حياتنا تحت الضوء، هناك بقعة خفية، علاقة من نوع خاص جدا تبقى خارج التغطية ولا يتحدث عنها إلا حين تكون قاتمة أو كارثية ولا تذكر غالبا إلا بسوء.

عقد عمل يأتي بنساء ورجال من أقاصي الأرض بملامح مغايرة وألسن غريبة وثقافات مختلفة، فيتشاطرون معنا منازلنا وحياتنا ويربون صغارنا ويطبخون طعامنا ويضعون قيمنا وإنسانيتنا وازدواجيتنا تحت المجهر.

ماذا نحن فاعلون حين يغيب الرقيب ونملك القدرة المطلقة؟ ما الذي يفعلونه هم حين نمنحهم الثقة؟ هل الاستعانة بهم ترف زائد عن الحاجة وهل هو تقصير ونقص في الأمومة أو الأبوة مثلا؟ هل تسخيرهم لخدمتنا قرار لا أخلاقي من الأساس أم عكس ذلك تماما؟

في السعودية قرابة الثلاثة ملايين عامل وعاملة منزلية والحال مشابه في بقية دول الخليج، وإجابات الأسئلة السابقة تختلف باختلاف الأشخاص والتجارب والممارسات، بعضها حالك وبعضها ناصع البياض.

المؤسف أننا لا نتداول إلا تلك الحالكة منها، قصص الغدر والظلم والقسوة، غرف ضيقة كالقبور، عنف جسدي ولفظي، ثم انتقام بلون الدم أو هروب إلى المجهول.

ماذا لو نقلت لكم على سبيل التغيير إجابات ملونة من منتصف الطيف تماما وحكاية سعيدة جمعت بين سيدتين عاملتين تريدان الأفضل لصغارهما، وتبحثان عن اليسر واللطف في الحياة، الأولى تقضي النهار في خدمة المرضى فتداوي جريحا وتعين عاجزا، والثانية تقضي النهار في خدمة الأولى فترعى طفلا وتنظف بيتا، وفي المساء تلتقيان تتسامران قليلا وتتناقلان الأخبار وتضحكان على حكايا الصغار قبل أن تعيدا الكرة من جديد.

عشرة أعوام مرت، بهت فيها عقد العمل، وبنيت حبال من الود والمحبة والألفة، كل الصغار كبروا بخير ما بين دعم الأولى وحنان الثانية، كلتاهما حصلت على بيت الأحلام والحياة التي تريد، ووجدت في الأخرى خير معين على متطلبات العيش وخير أخت وصديقة.

ولأن دوام الحال من المحال كان لا بد للحكاية من نهاية، ولا بد أن تعود الطيور المهاجرة إلى أوطانها، تعود محملة بالذكريات والأشواق والحنين، تغادر أبناء لم تلدهم إلى أبناء الأرحام، فتترك شطرا من قلبها وفراغا هائلا من الصعب أن يملأ.

بالطبع ليست الحكاية الوحيدة ولكنها نافذة لنتأمل، تتهم السيدات العاملات بالإهمال وربات المنازل بالقسوة وملف العمالة أنه وريث شرعي لملف الرق، لكن ليس على تلك الاتهامات أن تكون حقيقة، فالحياة قد لا تكون عادلة لكن نحن بالإمكان أن نكون كذلك.

سلمى بوخمسين

سلمى عبد الحميد بوخمسين , مخرجة مسرح , قاصة , سينارست , كاتبة رأي في عدة صحف محلية منذ عام 2016 و حتى الآن منها الشرق و اليوم و القافلة . نشرت مجموعة قصصية عام 2018 بعنوان على سرر, كما كتبت عدد من النصوص المسرحية , واخرجت مجموعة من المسرحيات و العروض الفنية و مسرح الظل نال بعضها على عدد من الجوائز .

تعليق واحد

  1. موضوع جميل استاذه سلمى يبعث الامل و وجه آخر لعملة كادت ان تكون بوحه واحد .. لقد كان من الانصاف ان تحتل هذه التجربه سطورك ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق