برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
صدى القرية

المثقف و«الوبال»

قبل بداية حديثي لمن لا يعرف مصطلح الوبال، هو صاحب الإبل المتخصص برعايتها في اللهجة التهامية في جنوب السعودية الحبيبة.

لم يغادر ذلك المثقف قريته إلا للتعليم، قرأ تراث قومه وأجاده حتى صار لاهوتيا لا يشق له غبار، لبس العمامة وتوكأ على العصا، لم يكن يغفل فرصة للتعلم والاطلاع على كل جديد في ثقافته وما يصله من ثقافات الأمم، ابتهل كثيرا ليرى الحقيقة رأي العين، وكان كلما أمعن في القراءة والاطلاع ازداد بعدا عن رؤية الحقيقة، وتكاثرت سؤالات الكيف في ذهنه.

وحين كان يسير بسيارته نحو مقر عمله الجديد قبل عشر سنوات صادف «وبالا» فـعزمه على حليب الإبل، فشرب منه حتى ارتوى ثم سأل الوبال: هل لديك مصدر دخل غير هذه الإبل؟

فابتسم وقال: بالطبع، وبلغة فارهة قال له المثقف، غير الضمان الاجتماعي؟

قال: أنا يا بني أحمل ماجستير هندسة بترول قبل أن تولد.

صعق المثقف، وابتسم ابتسامة المحتار والمتعجب، قال له الوبال: لا تعجب فهناك فرق كبير بين الوظيفة والمهنة، إن العمل الذي تقوم به من أجل المال أو البحث عن المكانة الاجتماعية بدون شغف، سرطان العمر الذي يسرقك حتى تواجه الموت، وهذه هي الوظيفة، أما المهنة فهي عملك فيما تحب ويوافق ميولك واتجاهاتك وينسجم مع قدراتك وإمكاناتك.

ثم أكمل حديثه، لقد أراد أبي أن أكون مهندس بترول ليراني رئيس شركة بترولية يفاخر بي بين أقرانه، بذلت فوق طاقتي في علم لا أحبه ولا ينسجم مع قدراتي، فلم أضف له شيئا ولم يضف لي شيئا، فاضطررت للتقاعد المبكر، ولم يكن أمامي إلا خيارين، رجل دين أو وبال، لأنها لا تحتاج لعلم ولا معرفة وليس لدي وقت وصبر للتعلم من جديد، فاخترت أن أكون وبالا، لأن الجمال لا تحتاج لفتوى حينما تقرر الاحتراب على ناقة أو حشيشة كما يفعل أتباع رجل الدين.

غادر المثقف «الوبال» وهو يسأل: كم في جواب هذا الوبال من دروس عبر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد؟.

أحمد الغيلاني

أحمد محمد علي الغيلاني، طالب دكتوراه، ماجستير في أصول التربية من جامعة الإمام محمد بن سعود، له أربعه مؤلفات مطبوعة، وثلاثة أخرى تحت الطباعة. مارس الكتابة الصحفية في عدد من الصحف السعودية والخليجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق