برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
خارج الزمن

عودة إلى الماضي

«لم يكن ثمة من يتصور أن العالم سرعان ما سيتضاعف بصورة مخيفة» إدواردو غاليانو، الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية.

هو هذا تماما ما حدث وما يحدث، وما سيحدث، العالم تحول إلى طبقات زمنية متراكمة ومتتالية بصورة لا سابق لها، تمكن الشخص من السفر والتنقل بين أحداثها بكل سهولة وسلاسة، لم يسبق للعالم أن عاشها من قبل، حيث يمكنك أن تقف على أحداث الحرب العالمية الثانية وحضور أشهر مباريات كرة القدم بعدها بدقائق فقط.

للتذكير فقط، نحن نعيش في العام 2045، لكن بإمكاننا العودة إلى ما قبل مئة سنة، كما لو كنا في زيارة حقيقية للعالم كما كان، فيمكن التجول في مدينة ليننغراد «سانت بسطربيرغ» أثناء حصار دول المحور لها، والوقوف على حجم الدمار والخراب التي خلفته النازية، هذا اختيار واحد من آلاف الخيارات المتوفرة، وضعته كمثال فقط على ما صنعته وما قدمته التقنية من مراكمة هائلة للأحداث واستعادتها كما لو كانت تحدث الآن.

ليست الحروب والأحداث الفاصلة في التاريخ هي كل ما يمكن تقديمه في قالب مجسم، كما لو كنا نشهد حدوثه أو نعيش بداياته ولادته، الماضي كله تحول إلى لعبة تقنية بحتة والترفيه أخذ منحى لا حد له، حيث يمكن تحويل كل شيء تم توثيقه إلى فرجة منزلية لتمضية أوقات ممتعة في أوقات الاسترخاء أو نهاية الأسبوع.

هل فكرت في حضور واحدة من أمتع المباريات في كرة القدم، يمكنك العودة خلال ثوانٍ فقط إلى مباريات كأس العالم عام 1986 التي نظمتها المكسيك، مباراة منتخب الأرجنتين والمنتخب الإنجليزي، وكأنك في إحدى مقصورات الملعب وسط أكثر من 114 ألف مشجع، حضروا الحدث في حينه، أنت طبعا آخر الحضور لهذا الحدث.

آنذاك ستشاهد -عن قرب- واحدا من أبدع وأجمل أهداف أسطورة كرة القدم في التاريخ، دييغو أرماندو مارادونا، وهو يسقط لاعبي المنتخب الإنجليزي واحدا تلو الآخر بمهارة لم ولن تتكرر في عالم كرة القدم.

دفق المعلومات والبيانات التي نعيشها تجعل من هذه المغامرة أمرا في غاية السهولة، فبينما تجلس على إحدى الأرائك في صالة منزلك، ستجد نفسك في إحدى المقصورات الخاصة لملعب أزتيكا في مكسيكو سيتي، في حضور مجسد لمباراة حدثت قبل 59 سنة تقريبا كما لو كانت المباراة لم تبدأ بعد.

حينها ستشاهد مارادونا بكل براعته وهو يسجل هدفا بيده في المرمى الإنجليزي ويركض بشكل جنوني، وهو يدعو زملاءه للاحتفال بالهدف، وبعدها بثلاث دقائق فقط، ستشاهده وهو «يجندل» سبعة من لاعبي المنتخب الإنجليزي على امتداد خط الملعب كما لو كانوا مجسمات من الشمع، ويلحق الحارس بهم ليودع الكرة في الشبكة ليسجل واحدا من أجمل أهداف كرة القدم على مر العصور.

في الواقع ليست فقط المباريات أو الحروب والأحداث العظيمة هي ما يمكن أن تقدمه لك التقنية مجسدا، ويمكنك أن تحضره كما لو كان يحدث الآن، بل كل شيء تحول إلى واقع مجسد، فقد حولت الشركات كل أرشيف التلفزيون والسينما وأرشيف الأشخاص الذي توصلت إليه إلى عالم حيوي يمكن زيارته وحضور أحداثه، وحولت العالم السيبراني إلى فرص لا متناهية لحضور الأحداث.

نهاية الأسبوع الماضي حضرت حفلات جنيف التي غنى فيها فنان العرب محمد عبده، أجمل أغانيه، كما حضرت حفلات ومسرحيات للفنانة فيروز وحفلات غنائية لأم كلثوم وعبدالحليم حافظ، وأمسيات شعرية نادرة لشعراء مثل مظفر النواب، ونزار قباني.

ليس هذا فحسب، فحجم البيانات المتوفرة والتي توفر كل هذه الخيارات اللامتناهية، تجعل من حضور أي حدث أشبه بما لو كان فرصة تم منحها لك دون تردد لتغتنمها وتسجل تواجدك فيها حتى لو بعد قرن من حدوثها في الواقع.

عبيد السهيمي

عبيد السهيمي إعلامي وكاتب رأي سعودي، تخرج في كلية المعلمين وعمل صحفيا غير متفرغ في صحيفتي اليوم والشرق الأوسط. روائي صدر له عن دار مسكلياني رواية المشرف.

تعليق واحد

  1. ماشاءالله تبارك الله الأستاذ الكاتب عبيد السهيمي خيال واسع متجدد نحو تحرير نصوص مواكبه لعالمنا التقني الذي اصبح واقع جمييل 🌺

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق