برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
إيقاع

«اللبيب» في مواجهة «المشعاب»

في تقديري الشخصي أن النقد المباشر لم يعد خطابا سائغا ولا مؤثرا، وصار من المتعين على الكاتب أن يعرض للخلل عرضا خفيفا، هينا لينا، بحكم زيادة الوعي وارتقاء الفكر للناس عما كان عليه الحال من قبل، الذي صار من لوازمه أن التلميح يكفي لإيصال الرسالة، لذلك فإن من الجمال أن تتوقف حالات جلد الآخر، من خلال طروحات الوعظ المباشر.

الناس إذن لم يعد في سوادهم الأعظم، على استعداد لقبول اللدغات المباشرة، وثمة في حقيقة الأمر من صار يؤمن أن المرحلة بكل معطياتها الفكرية والتقنية والتوعوية، قد صنعت منهم أناسا على درجة أكبر من الوعي، بحيث صار الحال بحاجة إلى خطاب آخر، خطاب مختلف نوعا وأسلوبا.

وأظن أن ذلك ينسحب على نقد المؤسسات الأهلية وحتى الرسمية الحكومية، وصار من الحكمة وحرفنة القول والفكر، أن يكون التلميح مكان التصريح، ولعل ذلك المنهج مما يكون له القبول والرضا في ذاتية الشخوص أو الجهات المُنتقدة، بما يجعلها أكثر أريحية لقبول الرأي الآخر، والتماهي معه تحاورا وتفاعلا.

في حياتنا -بطولها وعرضها- جماليات ومثالب، ويتعين أن نقومها بالقول الصادق والملاحظة العادلة، ضمن أسلوب جميل يقدم في نهاية المطاف طرحا منضبطا، خاليا من الحساسية، وبعيدا عن تأنيب الآخر بـ«المباشرة» والتصريح، ذلك لأنك –بالأصل- جئت تحمل لواء النقد، لا عصا المضاربة.

ولنا في عدد من مثقفينا وأساتذتنا، ومنهم رؤساء تحرير، القدوة والمثل، عندما قال أحدهم ذات مرة «يمكن لك أن تنتقد كل شيء وأي شيء، ولكن بالأسلوب الحسن والمحبب للنفوس»

أحد أصدقائي الذين أثق بوعيهم، قال لي: إنه شخصيا يجد نفسه ينفر من جلد الآخر، حتى على مستوى التعاملات والحياة الاجتماعية غير الرسمية، بينما يجد سعادة ورضا في الأسلوب الذي يعتمد التلميح، وبشكل يعرض للمسألة عرضا هينا، لا يصل إلى درجة القدح المباشر في الخلل.

وصديقي بذلك المنحى، كأنه يقول إن العبارة الشعبية الدارجة «أعطه في الجبهة» أسلوب نقد غير مؤثر، فضلا عن كونه خارجا عن الأدب واللياقة، حتى وإن صفق له البعض، وتراقصوا ضحكا حول المائدة، لأسباب تحتاج إلى بسط في مقالة أخرى.

والواقع أن اللبيب -وما أكثرهم بيننا- لا يحتاج الواحد منهم لـ«المشعاب» لكي يفهم، وقديما قال الأولون في تراثنا العربي «إن اللبيبَ بالإشارة يفهمُ».

بخيت الزهراني

بخيت طالع الزهراني، بكالوريوس الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبدالعزيز، كاتب وصحفي، سكرتير تحرير صحيفة «البلاد» سابقا، حصل على جائزة وزارة الحج السعودية عن أفضل تقرير صحفي إنساني لعام 2013، حصل على جائزة منطقة الباحة لأفضل قاص بالمنطقة لعام 2014 عن مجموعته القصصية «حفلة الجن» له سبعة من الكتب المنشورة، وأخرى قيد النشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق