برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
Ticket

القهوة في «رضاعة»

للقهوة لذة مختلفة حين تحتفظ بنكهتها وطقوسها التي اعتدنا عليها، ولكل صنف منها إتيكيت معين في تقديمه وتناوله، حيث تجسدت كمشروب يعكس ثقافة وعراقة البلدان والشعوب، فعُرف عن القهوة العربية مثلا فنجانها الصغير ودلتها المبهرة بـ«الهيل» وعادات تقديمها وشربها، وعرف عن التركية رائحتها المميزة ووجهها الثقيل وفنجانها المصحوب بصحن صغير، وعرف عن القهوة الإيطالية امتزاجها بالحليب ورغوتها الكثيفة وفنجانها الواسع، وغير ذلك من الطقوس المتعلقة بتقديم بقية أصناف القهوة في العالم.

ولكن مؤخرا انتشرت محلات تقديم القهوة بشكل ملفت، فقد أصبحت هذه المحال تتنافس في طرق تقديم القهوة بمختلف أصنافها، حتى وصلت إلى حدود الغرابة.

فلقد خرجت عن حدود الطقوس المعتادة إلى حدود السخرية والسعي خلف الجذب التسويقي لمجرده، دون مراعاة الذوق العام أو عادات وتقاليد التقديم.

وشاهدنا آخر صيحات تقديم القهوة التي بدأت تتعدى حدود المعقول، حيث أصبحت تقدم في قنينات الرضاعة الخاصة بالأطفال، كنوع من الجذب التجاري ولفت الانتباه.

وقد يكون من الجيد وجود عقليات تفكر بطرق إبداعية للتسويق والترويج لمنتجاتها، ولكن هل كل فكرة غريبة تعتبر حقا فكرة إبداعية أم أن الجذب لمجرد الجذب هو الهدف بغض النظر عن مناسبته الذوقية من عدمها؟ ومن الملفت، كيف أصبح المجتمع يتماشى مع هذه الصيحات بسرعة فائقة دون اعتراض؟

قيل سابقا «إن كان المتحدث مجنونا يفترض أن يكون المستمع عاقلا» فإن كانت هذه الشركات تقدم عروضا تنافي الذائقة العامة، فهل المتلقي مرغم على التماشي معها وتجربتها بل والافتخار بها وتصويرها؟

أنا لست ضد التفكير خارج المعتاد، بل إن الغرابة بحد ذاتها عامل جذب مهم في التجارة، ولكن أنا ضد الغرابة المنافية للذوق العام، وخاصة حين تنتهك عراقة مشروب عالمي كالقهوة، بتعريضه للتشوه الحضاري بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.

أما ما يتعلق بالأمر من الناحية التسويقية، فيقول توم هوبكنز الخبير التسويقي جملة تلخص فن التسويق والمبيعات «إذا نجح رجل المبيعات في إدارة حديث البيع، فتلك هي الحقيقة التي يقولها لجمهوره» أي أن جزء من نجاح فن التسويق والمبيعات هو إدارة دفة الحديث وإقناع الجمهور بالبضائع والمنتجات.

ولأن فن التسويق علم مستقل بذاته ويسترعي الدراية والتدريب والذكاء، فإن معظم من يخوضون هذا المجال محليا يجهلون أساسياته، التي يقع الإقناع في مقدمتها، إضافة إلى تفهم حاجات المستهلك، فنحن غالبا نقع في فخ التسويق المظهري وابتكار الغريب شكلا، لجذب الانتباه، مهما كانت النتيجة، ببساطة لأن هذه الشركات فشلت في التسويق الضمني وإقناع المستهلك بجودة منتجاتها.

تغريد العلكمي

تغريد محمد العلكمي، كاتبة وصحفية وقاصة، بكالوريوس صحافة وإعلام - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة جازان، عملت في صحيفة الوطن لمدة 8 سنوات، ومارست الكتابة الصحفية في عدد من الصحف، صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان «شتاء آخر» عن نادي أبها الأدبي.

تعليق واحد

  1. جميل منكم استاذة تغريد تغطية هذا الموضوع و المتعلق بالقهوة و لانني من عشاق القهوة فقرأت المقال بنهم و لكن حقا لن اخرج من طوري و اتناول القهوة في رضاعة .. فكما اشرت ان كان المتحدث مجنونا فليكن المستمع عاقلا .. هنا المحك
    جزاك الله كل خير على هذا المقال اللطيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق