برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
أمواج

مدنية المجتمع والتدوين

تحدثت في مقالة الأمس عن تاريخ توثيق القوانين، وهذا ما يجعلنا نقول بأن هناك حاجة يفرضها تقدم المجتمع وتشابك مكوناته إلى توثيق وتدوين التشريعات.

وقد قامت الشرائع الدينية ومنها السماوية بدور كبير «ووحيد في حالات معينة» في تنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع ومعاملاتهم ببعض فقه المعاملات، بما في ذلك علاقتهم بالنظام السياسي الذي تحتل الدولة وطاقمها الإداري والتنفيذي موقع الصدارة فيه.

وبحكم الطبيعة المقدسة لهذه الشرائع وعدم جواز الخروج عن نصوصها المحددة في مصدرها المقدس، فقد بقيت ثابتة على مختلف العصور وبالذات في البلدان الإسلامية، واكتفي بما يقدمه علماء الدين والفقهاء من شروح وتفسيرات مدونة أو شفهية كبديل لمنظومة تشريعية مدونة ومتجددة.

إن محاولات تدوين الأحكام القضائية ليس بالأمر الحديث في تاريخ التشريع الإسلامي، فبالرغم من أنه لم يحظَ بمباركة واسعة من قبل شخصيات فقهية كبيرة وقضاة أعلام، إلا أن ذلك لم يمنع من حدوثه، وهو ما تؤكده آلاف المجلدات والدوريات الزاخرة بالأحكام الفقهية منذ القرن الثاني الهجري وحتى يومنا هذا، إلا أنه علينا التمييز بين تدوين الأحكام القضائية وبين التقنين، فالتقنين الذي هو «صياغة الأحكام القضائية في صور ومواد نظامية ملزمة ومبوبة حسب الموضوعات التي تنظمها» يعد مرحلة متقدمة في تاريخ القانون تتخطى التدوين وعلى صلة بخروج المجتمع من تشكيلاته البسيطة / التقليدية إلى تكوينات جديدة تمتلك وعيا حقوقيا مختلفا، أو أنها تبحث في التقنين عن حماية لحقوقها ليست متاحة بدونه، مع أن التقنين لا يمكن له أن يتحقق دون توفر المادة المدونة كقاعدة يعتمد عليها في الصياغة العامة.

وكما واجه تدوين القانون ممانعة في بعض من محطات مسيرته التاريخية، كذلك لم يكن التقنين في بداياته مرحبا به لدى معظم الهيئات والدوائر القضائية، فقد كان له خصومه أكثر من مؤيديه، وهذا ليس حصرا بالمدارس الفقهية الإسلامية كما يتصور البعض، فالكنيسة الكاثوليكية -على سبيل المثال- قبل عصر التنوير، لم تكن مرحبة بتقنين التشريعات المدنية، ولم يتوقف تدخلها في هذا الشأن إلا حينما أبعدها النظام السياسي العلماني الأوروبي عن لعب أي دور رسمي في صناعة القرار السياسي.

ظل التقنين -وبالأخص التشريعات المدنية والجنائية- في البلاد الإسلامية، يسير بوتائر مختلفة، ففي الوقت الذي قبلت به بعض البلدان، بقيت أخرى ممانعة له لعدم قناعة هيئات الإفتاء الرسمية لديها ولجانها الدينية العليا بهذا التوجه، لقناعتهم بأن التقنين يضعف من مكانة الفقه بصيغته العامة، المقتبس من القرآن والسنة كمصدر وحيد للتشريع، ويقلل من الاجتهاد والبحث في العلوم الشرعية، ويعطي الفرصة لظهور قضاة من خارج المدارس الشرعية، ما سيتسبب في إضعاف مكانة رجال القضاء الشرعيين.

وجميعنا يعلم أن المكانة العالية للقاضي الشرعي في المجتمعات الإسلامية اكتسبت من خلال دوره المزدوج كفقيه وقاض في آن واحد.

إننا حينما نتمعن في بقاء هذه المبررات، سنجد أنها متصلة بظروف تاريخية سابقة ارتبطت بحالة الجمود التي كانت عليها قوى الإنتاج في عدد من البلدان الإسلامية التي كانت تحيا ضمن نمط إنتاجي إقطاعي، لم يكن بقادر على تجديد نفسه لحقبة امتدت لقرون، ما أثر سلبا على بنائها الفوقي «الثقافة / النظام السياسي / المنظومة القانونية» ومنها جميعا تنبثق النصوص القانونية والتشكيل العدلي. فبقي التنظيم القضائي على حاله لمئات السنين حتى دون فصل في المهام والأدوار، فالنيابة العامة -على سبيل المثال- لم تتأسس في الدولة العثمانية إلا في بدايات القرن التاسع عشر، كما أن تطور القاضي الشرعي وترقيه في سلم القضاء كان دائما على صلة بعضويته في المؤسسة الدينية وبقدراته الفقهية التي وفرت له مكانة خاصة لا تتوفر لدى القضاة خارج القضاء الشرعي، مع أنه في نفس الوقت يعد موظفا حكوميا خاضعا لأنظمة الدولة «السلطة السياسية» الإدارية، ما يجعله جالسا خلف منصتين يصعب التفريق بينهما، أو تحديد المسافة المفترض أن تفصل بينهما ليحافظ على استقلاليته.

في الوقت الذي كانت فيه المنظومة القضائية خلال فترة ركود البلاد الإسلامية ثابتة دون  تغيير -لأسباب عدة منها ما ذكر آنفا- كانت المجتمعات الأوروبية تعيش مخاض ولادة علاقات جديدة بديلة عن العلاقات الإقطاعية، فكان حق تفسير  وتطبيق القانون متروكا للإقطاعي صاحب الأرض / القرية، أو للملك خلال مرحلة الملكيات المطلقة الأوروبية، الذين كانت من مصلحتهم الإبقاء على منظومة القضاء والبنية العدلية دون تبديل، بينما كانت القوى الاجتماعية الجديدة المنبثقة من رحم العلاقات البرجوازية تحاول أن تعزز من مكانتها في السوق، وتحفظ حقوقها عبر منظومة قانونية جديدة تمنحهم ما كانوا يسعون إليه.

وهذا ما جعل مسألة تقنين القانون وجهة إصداره إحدى محطات الصراع في تلك المجتمعات، مثلما كان شكل النظام السياسي هو الآخر ضمن حقول المواجهة بين القوى الصاعدة والقوى الآفلة للسقوط.

لقد استطاعت القوى الجديدة من فرض نفسها وإزاحة القوى القديمة عن التفرد في تقرير مصير المجتمع من خلال آلية إصدار القوانين وجعلها متداولة ومعروفة وملزمة للجميع، أي عبر تقنينها.

إذ إن المجتمعات البشرية تكتسب ديناميكيتها من خلال بحث الإنسان الدؤوب عن حياة أفضل، الذي لا يتحقق بصورة تلقائية، وإنما بواسطة أدوات يبتكرها الإنسان في سيرورة مستمرة، وتكون قادرة على مواكبة ديناميكية مجتمعاته والاستجابة لظروف المرحلة التي يمر بها، فإذا لم يستطع المجتمع مواكبتها، فإنه يحكم على نفسه بالتقوقع المنتهي بالفشل والاضمحلال والعكس صحيح.

وتتحدد الاستجابة لهذه المستجدات أو نكرانها والتصدي لها في الموقف القانوني تجاهها، فمن خلال سرعة استجابة القوانين المطبقة للتغييرات الكيانية في بنية المجتمع يمكننا الحُكم ما إذا كان هذا المجتمع يسير نحو تحديث نفسه والارتقاء بحالته لمستويات جديدة، أم أنه قابع في مكانه شبيه بما كانت عليه المجتمعات العربية في حقبة الهيمنة العثمانية.

زكي أبو السعود

زكي أبو السعود، بكالوريوس في القانون الدولي، ودبلوم علوم مصرفية. مصرفي سابق، تولى عدة مناصب تنفيذية، آخرها المدير العام الإقليمي، كتب في عدد من الصحف السعودية والعربية، ناشط اجتماعي، له الكثير من المبادرات المجتمعية وعضو في عدد من المجالس والديوانيات الثقافية في محافظة القطيف وخارجها.

تعليق واحد

  1. معلومات قيمة في عملية ربط مسألة تقنين القانون يدخل ضمن طبيعة النظام السياسي و الخلاف الحاصل بين قوى التغيير التى تسعى الى تصحيح الوضع و القوى المحافظة التى تسعى الى تثبيت النظام في المجتمعات الاسلاميه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق