برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

العالم الموازي

أدعوك أيها القارئ العزيز ألا تستمع لكلامٍ نظري أكتبه هنا، وأن تقوم بالملاحظة والتجربة بنفسك لتقف على ظواهر أصبحت جزءا من المألوف لدينا، ولكنها تستحق التأمل للوقوف على مدلولاتها، على سبيل المثال، جرّب أن تراقب أحدهم في صالة انتظار أو في وسط حشد من الناس ممسكا بجهازه المحمول، لتلاحظ أن انفعالاته وتعابير وجهه تتفاعل في عالم آخر منفصل عن الحشد من حوله، لتستنتج أن تطبيقات التواصل الاجتماعية يمكن اعتبارها آلة سحرية تحملنا إلى عالم آخر غير الذي نتواجد فيه فيزيائيا.

بعد ذلك جرّب في المرة القادمة التي تزور فيها دارا للسينما، أن تتخلى عن الاستمتاع بمشاهدة الفيلم، وتأمل من حولك لتجد أن بعضهم رغم أنه يعيش تجربة مثيرة تملأها الدهشة، إلا أنه قد يتفقد هاتفه المحمول بين الفينة والأخرى، ودون تجربة السينما تجارب مشابهة، يتكرر فيها سلوك الفرد الذي لا يكتفي بالوجود هنا، بل ينتقل إلى الوجود هناك متوترا من أن يفوته شيء في العالم الموازي.

جرّب أن تتأمل حشدا من السياح في مَعلم ما، لتجدهم ممسكين بهواتفهم لينقلوا تلك اللحظات إلى العالم الموازي عبر الإنستغرام والسناب شات، حيث تنتظرهم إعجابات وتعليقات المتموضعين هناك. هنا، يفرّ هؤلاء من لحظتهم الراهنة ومن الاستمتاع بها، إلى ذلك العالم المكتظ، الذي تتدفق فيه التجارب المرئية المكتوبة والمسموعة على مدار الساعة، إلى الدرجة التي تدفعنا إلى تفقد أجهزتنا فور نهوضنا من الفراش، فالعودة إلى الاستيقاظ أصبحت تعادل وجودنا على الشبكة «online» وليس اليقظة بمفردها.

والحال لم يكن كذلك قبل نحو عقدين من الزمن، حيث كانت هناك عبارات يجري استخدامها في التداول اليومي من قبيل «سأدخل على الإنترنت، سأتفقد بريدي الإلكتروني» وهذه العبارات ومثيلاتها كانت تعكس أننا كنا نتموضع في حياتنا الواقعية، وننتقل في أوقات معينة إلى الشبكة عبر أجهزة الكمبيوتر المتصلة بالشبكة عبر أسلاك موصلة بجهاز الاتصال المسمى «مودم» وهذا يتطلب وضعا خاصا، وتجهيزا معينا، لكننا الآن وباستخدام الأجهزة الذكية المحمولة وشبكات الجيلين الرابع والخامس، أصبحنا في اتصال دائم بالفضاء الافتراضي الذي بات يجذبنا نحوه باستمرار في حالة شبه قسرية لنتموضع فيه، حتى في أكثر لحظات الانخراط في تجارب مذهلة في العالم الواقعي.

قبل الختام أيها القارئ العزيز الصابر على مطالبتي لك بالتجربة، ومن أجل أن أقنعك بأننا نعيش في إقامة جبرية في الفضاء السيبراني، جرّب أن تقضي يومك بعيدا عن هاتفك المحمول، لترى أثر خروجه من محيطك الحيوي، وكيف ينعكس ذلك على سلوكك وحتى على يدك التي قد تراها تمتد لا إراديا نحو جيبك الفارغ من تلك الآلة السحرية.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق